أبو عمر .. أعرف أنّك سعيد الآن، لأنك تتحادث مع حبيبك عمر بن الخطاب.. ,وأعلم أنّك سعيد بما وصلت إليه من أعلى درجات الشرف والعز وأنت شهيد في سبيل الله كما هم أحبابك عمر وحمزة وعلي
وعثمان رضي الله عنهم، أعلم أنك تنادينا جميعًا وتقولوا كفى بكاءً يا أحبابي فلو تعلمون ما أنا لأقمتم الأفراح والأعراس لمئة يوم .. ولكن لست من أملك قلبي، لا أستطيع منع قلبي الضعيف من الحزن والألم على فراقك يا حبيبي، ليتي أستطيع الضحك عليه بما أعلم، فهو لا يرضى بفراقك والتخلي عن صحبتك وحنانك، بإذن الله تعالى أنت لا تحتاج لدعائنا لأنّك عند الكريم الرحيم وفي جوار الأنبياء والشهداء وأكرم بني البشر، ادعو لنا ولا تنسانا يا حبيبنا ..
نبذة سريعة عن حياة هذا البطل الشريف: مختار نبيه القاسمي من مواليد حمص 1982 .. كنيته أبو عمر .. تخرج من جامعة حمص بكالوريوس في هندسة الطاقة الكهربائية ثم أكمل دراسته حتى نال شهادة الماجستير، وكان ينوي أن يُكمل حتى الدكتوراه ولكنّ ظروف الثورة ومدينة حمص لم تسمح بذلك، كان همّه وعمله كلّه لخدمة الأمة وبلاده، فكانت شهاداته وإنجازاته كلها مُهداة لهذه الأمة الكريمة وشبابها، كان يدرس في الجامعة التي تخرج منها فلم يره أحد إلا وأحبّه وأحب أن يكون مثله أو يقترب مما كان عليه من خُلق وعلم وورع، كان محبًا لدينه ملتزمًا بأحكام ربّه – سبحانه وتعالى – وتعاليم نبيه الكريم – صلى الله عليه وسلّم -، فكانت صلواته كلها في المسجد وكان يُشجع الشباب عليها ويُذكرهم بها حتى في ظروف الثورة الصعبة، فعند بداية الثورة كان يذكرني بها كل يوم ويقول لي نحن محتاجين لصلاة الفجر جماعة في المسجد، كانت هذه وصيته الدائمة لي وللأصدقاء.. في أيام الثورة كان مشغولاً كثيرًا بها، فكان يقود عدة مجموعات من الشباب الكفؤ لعدة مهمات في الثورة، لا سيّما المظاهرات الضخمة التي كانت لطلاب الجامعة والتي كانت أغلبها من الطالبات، وحده الله – تعالى – يعلم ما قدّمه للثورة من جهدٍ ومال وأخيرًا ضحى بنفسه لأجلها، كان ذو عقل نيّر وفكر مشرق ويُذكرنا دائمًا بأنّ عملنا الأهم ليس الآن وإنّما عند سقوط النظام المجرم والمساعدة في بناء البلاد على أكمل ما نريد لها أن تكون من جمال وعزّة وشرف .. استشهد تحت التعذيب ودُفن دون علم أحد وعندما فُتح قبره لم يعرفه أهله إلا من يديه وقدميه لشدّة ما تعرّض له من وحشيّة وإجرام في المعتقل .
رحمك الله يا أبو عمر .. رحمك الله و رفعك للفردوس الأعلى و جمعك بقائدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبأصحابه الكرام .. فكم كنت تحبهم في الدنيا و تشتاق لهم و تطلب لقائهم .. ولحكمة لا أعلمها قدّر الله تعالى أن يعجل لك بهذه الأمنية وأصبحت من الشهداء الطاهرين في ظروف غامضة ..
تركتني يا حبيبي دون أن أودعك .. دون أن أقبل رأسك الطاهر و قدميك اللتين لم تمشيا إلا في الخير .. لم تمشيا إلا في طاعة و إحسان قبل الثورة المباركة .. أمّا في زمن الثورة فلم تمشيا إلا طلبًا للحرية والكرامة ولم تسعيا إلا لإسقاط أصنام التخلف والجهل والظلم .. كانت قدماك تسعيا لإسقاط نظام الإجرام فقط .. لم أحزن لأنك تركتنا ولن نراك إلا بعد وقت لا يعلمه إلا الله تعالى .. حزنت فقط لأنني لم أستطيع تقبيل قدميك الطاهرتين ..
أتذكر يا صديق عندما كنا نتحادث ونتسامر في المكتب في ساعة متأخرة من يوم الخميس وكنا نسمع أصوات الرقص والمجون من نادي الضباط وقلنا متى سيخلصنا منهم .. وكانت أولى المظاهرات ستنتطلق في اليوم التالي ولكننا لم نأخذ الأمر بجدية .. وفي اليوم التالي رأينا المظاهرة فركضت إليها فرحًا ولكنك رجعت في سيارتك ولم تخرج معنا وقلت لي ما قلته ليلة الأمس أن دورنا ليس الآن .. دورنا سيكون مؤثرًا أكثر في التخطيط والقيادة والفكر وإذا خرجنا في المظاهرات الآن سنقتل وتضيع معنا طاقات كثيرة .. لم أستطع مقاومة حماسة الشعارات و رجعت أنت إلى البيت .. ظننت أنك لن تشارك في الثورة والمظاهرات .. لكنّك لاحقًا أصبحت من أبطال الثورة العظام .. كنت الجندي المجهول الذي يأبى الظهور و التباهي بما يعمل .. ويؤثر على ذلك العمل والعمل والاجتهاد .. كنت قائدًا رائعًا لنا يا أبو عمر والكلّ يشهد بذلك .. لأنك كنت صديق الجميع ومحبوب الجميع .. لم تستطع تحمل استشهاد أحد شباب حارتك ورأيتك في تشيعه بالمصدافة تهتف بأعلى صوتك وبكل قوتك وأنت تجهش بالبكاء حتى ظننت أنّ مكروه أصابك وبقيت ثلاثة أيام لا تستطيع التحدث جيدًا بسبب ضعف صوتك ..
كنت نعمَ الثائر والمجاهد ونعمَ القائد .. وكنت لي نعم الأخ والصديق و نعم الأستاذ ..
لي معك الكثير من الصور في أجمل اللحظات .. للأسف تركتها في حمص ولا أعلم إن أحرقتها صواريخ الحاقدين .. ولكن هناك لحظات عشتها معك لم تسجلها الكاميرات ولم تحفظها الحواسيب .. أتذكر يا حبيبي رمضان ما قبل الماضي عندما طلبت مني أن آتي لمنزلك حتى نتسحّر قبل الناس فنتزود بالماء والطعام ثم نذهب معًا إلى مسجد عمر بن الخطاب لصلاة التهجّد .. أتذكر ذلك السحور الساحر على شرفة منزلك التي دمرتها اليوم رصاصات بشار الحقود .. أتذكر ما قلته لي عندما قلت لك أنني لا أحب الشاي ولا أشربها .. لن أخبر أحدًا يا صديقي بما قلته لي فالمهم أخيرًا أنني أحببتها على طريقتك ولأجلك صرت أشربها دائمًا ت
الحمد لله رب العالمين .. تستاهل الشهادة وشرفها ومجدها أبو عمر، ولسعيك واجتهادك لأعلى الدرجات والشهادات في الدنيا أكرمك الله بأعلاها وأكملها وأرقاها بدرجة الشرف الذي لا يُبارى والمجد الذي لا يُجارى، فالله يحب عبده الكريم أخلاقًا والكريم أفعالاً .. والثورة تصبح أقوى مع استشهادك فلا تخف عليها ولا تقلق فنحن ماضون على طريقك يا بطل الأبطال ..
أبو عمر ..أكتب لك هذه الكلمات ملؤها الحب والاحترام مني ومن كل الناس الذين أحبوك .. ومع الألم الشديد لأنّني الآن فهمت ما قلته لي أول الثورة بأنّ دورنا ليس الآن وإنّما دورنا الحقيقي بعد سقوط النظام، الآن فقط فهمت ما تقصده لأنّ سوريا فقدت خيرة شبابها وأفضل مهندسيها وأكثرهم نشاطًا وإبداعًا، أصدقائي وأنا سنكون كما كنت للأمة وللبلد وللناس، خير شباب جاهدوا في سبيل الحريّة والكرامة ..
أحبك أبو عمر وكنت أتمنى لو قبلت قدميك الطاهرتين .. انتظرني في الجنة عند الأحبة .. سلّم عالجميع ت

