أبو عمر .. أعرف أنّك سعيد الآن، لأنك تتحادث مع حبيبك عمر بن الخطاب.. ,وأعلم أنّك سعيد بما وصلت إليه من أعلى درجات الشرف والعز وأنت شهيد في سبيل الله كما هم أحبابك عمر وحمزة وعلي

الشهيد البطل مختار القاسمي

الشهيد المهندس مختار القاسمي

وعثمان رضي الله عنهم، أعلم  أنك تنادينا جميعًا وتقولوا كفى بكاءً يا أحبابي فلو تعلمون ما أنا لأقمتم الأفراح والأعراس لمئة يوم .. ولكن لست من أملك قلبي، لا أستطيع منع قلبي الضعيف من الحزن والألم على فراقك يا حبيبي، ليتي أستطيع الضحك عليه بما أعلم، فهو  لا يرضى بفراقك والتخلي عن صحبتك وحنانك، بإذن الله تعالى أنت لا تحتاج لدعائنا لأنّك عند الكريم الرحيم وفي جوار الأنبياء والشهداء وأكرم بني البشر، ادعو لنا ولا تنسانا يا حبيبنا ..

نبذة سريعة عن حياة هذا البطل الشريف: مختار نبيه القاسمي من مواليد حمص 1982 .. كنيته أبو عمر .. تخرج من جامعة حمص بكالوريوس في هندسة الطاقة الكهربائية ثم أكمل دراسته حتى نال شهادة الماجستير، وكان ينوي أن يُكمل حتى  الدكتوراه ولكنّ ظروف الثورة ومدينة حمص لم تسمح بذلك، كان همّه وعمله كلّه لخدمة الأمة وبلاده، فكانت شهاداته وإنجازاته كلها مُهداة لهذه الأمة الكريمة وشبابها، كان يدرس في الجامعة التي تخرج منها فلم يره أحد إلا وأحبّه وأحب  أن يكون مثله أو يقترب مما كان عليه من خُلق وعلم وورع، كان محبًا لدينه ملتزمًا بأحكام ربّه – سبحانه وتعالى – وتعاليم نبيه الكريم – صلى الله عليه وسلّم -، فكانت صلواته كلها في المسجد وكان يُشجع الشباب عليها ويُذكرهم بها حتى  في ظروف الثورة الصعبة، فعند بداية الثورة كان يذكرني بها كل يوم ويقول لي نحن محتاجين لصلاة الفجر جماعة في المسجد، كانت هذه وصيته الدائمة لي وللأصدقاء.. في أيام الثورة كان مشغولاً كثيرًا بها، فكان يقود عدة مجموعات  من الشباب الكفؤ لعدة مهمات في الثورة،  لا سيّما المظاهرات الضخمة التي كانت لطلاب الجامعة والتي كانت أغلبها من الطالبات، وحده الله – تعالى – يعلم ما قدّمه للثورة من جهدٍ ومال وأخيرًا ضحى بنفسه لأجلها، كان ذو عقل نيّر  وفكر مشرق ويُذكرنا دائمًا بأنّ عملنا الأهم ليس الآن وإنّما عند سقوط النظام المجرم والمساعدة في بناء البلاد على أكمل ما نريد لها أن تكون من جمال وعزّة وشرف .. استشهد تحت التعذيب ودُفن دون علم أحد وعندما فُتح قبره لم يعرفه  أهله إلا من يديه وقدميه لشدّة ما تعرّض له من وحشيّة وإجرام في المعتقل .

رحمك الله يا أبو عمر .. رحمك الله و رفعك للفردوس الأعلى و جمعك بقائدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبأصحابه الكرام .. فكم كنت تحبهم في الدنيا و تشتاق لهم و تطلب لقائهم .. ولحكمة لا أعلمها قدّر الله تعالى أن يعجل لك بهذه  الأمنية وأصبحت من الشهداء الطاهرين في ظروف غامضة ..
تركتني يا حبيبي دون أن أودعك .. دون أن أقبل رأسك الطاهر و قدميك اللتين لم تمشيا إلا في الخير .. لم تمشيا إلا في طاعة و إحسان قبل الثورة المباركة .. أمّا في زمن الثورة فلم تمشيا إلا طلبًا للحرية والكرامة ولم تسعيا إلا لإسقاط  أصنام التخلف والجهل والظلم .. كانت قدماك تسعيا لإسقاط نظام الإجرام فقط ..  لم أحزن لأنك تركتنا ولن نراك إلا بعد وقت لا يعلمه إلا الله تعالى .. حزنت فقط لأنني لم أستطيع تقبيل قدميك الطاهرتين ..
أتذكر يا صديق عندما كنا نتحادث ونتسامر في المكتب في ساعة متأخرة من يوم الخميس وكنا نسمع أصوات الرقص والمجون من نادي الضباط وقلنا متى سيخلصنا منهم .. وكانت أولى المظاهرات ستنتطلق في اليوم التالي ولكننا لم نأخذ  الأمر بجدية .. وفي اليوم التالي رأينا المظاهرة فركضت إليها فرحًا ولكنك رجعت في سيارتك ولم تخرج معنا وقلت لي ما قلته ليلة الأمس أن دورنا ليس الآن .. دورنا سيكون مؤثرًا أكثر في التخطيط والقيادة والفكر وإذا خرجنا في  المظاهرات الآن سنقتل وتضيع معنا طاقات كثيرة .. لم أستطع مقاومة حماسة الشعارات و رجعت أنت إلى البيت .. ظننت أنك لن تشارك في الثورة والمظاهرات .. لكنّك لاحقًا أصبحت من أبطال الثورة العظام .. كنت الجندي المجهول  الذي يأبى الظهور و التباهي بما يعمل .. ويؤثر على ذلك العمل والعمل والاجتهاد .. كنت قائدًا رائعًا لنا يا أبو عمر والكلّ يشهد بذلك .. لأنك كنت صديق الجميع ومحبوب الجميع .. لم تستطع تحمل استشهاد أحد شباب حارتك ورأيتك في  تشيعه بالمصدافة تهتف بأعلى صوتك وبكل قوتك وأنت تجهش بالبكاء حتى ظننت أنّ مكروه أصابك وبقيت ثلاثة أيام لا تستطيع التحدث جيدًا بسبب ضعف صوتك ..

كنت نعمَ الثائر والمجاهد ونعمَ القائد .. وكنت لي نعم الأخ والصديق و نعم الأستاذ ..
لي معك الكثير من الصور في أجمل اللحظات .. للأسف تركتها في حمص ولا أعلم إن أحرقتها صواريخ الحاقدين .. ولكن هناك لحظات عشتها معك لم تسجلها الكاميرات ولم تحفظها الحواسيب .. أتذكر يا حبيبي رمضان ما قبل الماضي  عندما طلبت مني أن آتي لمنزلك حتى نتسحّر قبل الناس فنتزود بالماء والطعام ثم نذهب معًا إلى مسجد عمر بن الخطاب لصلاة التهجّد .. أتذكر ذلك السحور الساحر على شرفة منزلك التي دمرتها اليوم رصاصات بشار الحقود .. أتذكر  ما قلته لي عندما قلت لك أنني لا أحب الشاي ولا أشربها .. لن أخبر أحدًا يا صديقي بما قلته لي فالمهم أخيرًا أنني أحببتها على طريقتك ولأجلك صرت أشربها دائمًا ت
الحمد لله رب العالمين .. تستاهل الشهادة وشرفها ومجدها أبو عمر، ولسعيك واجتهادك لأعلى الدرجات والشهادات في الدنيا أكرمك الله بأعلاها وأكملها وأرقاها بدرجة الشرف الذي لا يُبارى والمجد الذي لا يُجارى، فالله يحب عبده  الكريم أخلاقًا والكريم أفعالاً .. والثورة تصبح أقوى مع استشهادك فلا تخف عليها ولا تقلق فنحن ماضون على طريقك يا بطل الأبطال ..
أبو عمر ..أكتب لك هذه الكلمات ملؤها الحب والاحترام مني ومن كل الناس الذين أحبوك .. ومع الألم الشديد لأنّني الآن فهمت ما قلته لي أول الثورة بأنّ دورنا ليس الآن وإنّما دورنا الحقيقي بعد سقوط النظام، الآن فقط فهمت ما تقصده  لأنّ سوريا فقدت خيرة شبابها وأفضل مهندسيها وأكثرهم نشاطًا وإبداعًا، أصدقائي وأنا سنكون كما كنت للأمة وللبلد وللناس، خير شباب جاهدوا في سبيل الحريّة والكرامة ..

أحبك أبو عمر وكنت أتمنى لو قبلت قدميك الطاهرتين .. انتظرني في الجنة عند الأحبة .. سلّم عالجميع ت

 

مع اشتداد فتيل القتل والإجرام والدمار والتهجير للمدنيين من قبل نظام ضعيف بكل معنى الكلمة فهو بكل عدته وعتاده وجبروته وبطشه لم يستطع أنْ يطفئ مدينة واحدة ولم يستطع أنْ يمنع أهلها من التظاهر ولو ليومٍ واحد رغم كل القصف والقتل والتدمير، وهذا أمرٌ يحسب لنا نحن الثوار فنسبة مشاركة أهل سوريا في الثورة بلغت ما بين (20 – 35) % وهو رقم كبير جدًا في عالم ثورات العالم، فمتوسط المشاركة عادة فنسبة المشاركة تكون عادةً بين(5 – 10)% من أهل البلد، ولكن لشدة ما يعانيه الثوار في سوريا من اعتقال وتعذيب وتضييق وقتل، احتاجت أنْ تضم لها مزيدًا من الشبان والشابات لمواجهة نظام متماسك ومتمسك بطائفيته وتمزيقه لشرائح المجتمع فأصبحت هناك فئات ومجموعات خصصت نفسها لعبادة عائلة الأسد والدفاع عنها وشكلوا فرق “الشبيحة” .. كل ذلك ونرى صبر وتفاؤل الثوار واستمرارهم في مظاهراتهم السلميّة بأحلى الصور وأبهاها .. فلا يمكن عندما ترى صورهم وتشارك  في هتافاتهم إلا أنْ يمتلئ قلبك بالحماس والتفاؤل والقوّة ويدفع فيك نفسًا جديدًا من العمل والمثابرة والاجتهاد ..

يقول الله – تعالى – ” فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا “ صدق الله العظيم

يخبرنا الله – تعالى – بأنّ اليسر مخلوق مع العسر وأنّ اللطف مخلوق مع الشدّة وليس بعده، فدائمًا نجد في حياتنا بعضًا من العراقيل والمصائب والبلايا ولكنّ الفَطِنَ المؤمن بقضاء الله وقدره والمتوكل عليه في كلّ أموره يعلم يقينًا بأنّ مع كلّ ذلك يسرًا ولطفًا سيأتي حتمًا حتمًا ولو طال ذلك .. ونتأكد من ذلك عندما نتمعّن في الآية جيدًا ونستنتج أنّ مع كلّ عسرٍ يسرين اثنين، فمن عادة العرب أنّهم إذا ذكروا اسمًا معرفًا وكرّروه فهو كما هو، أمّا إنْ ذكروا اسمًا نكرةً مرتين فهو مكرر ومأكدٌ عليه مرتين .. لذلك يقول العلماء إنّ مع كلّ عسرٍ يسرين اثنين – وذلك من كرم ولطف الله – جلّ جلاله – علينا – و إنّه من المستحيل أنْ يغلبَ عسرًا يسرين ومن المستحيل أنْ تبقَ الشدّة ولا تختفي أمام الفرج والخير ..

وأذكر قول أحد العلماء ” لا يغلب عسرٌ يسرين.. وإذا اختبأ العسر في جحرٍ أوشك أنْ يدخل اليسر عليه فيقتله ” فعلاً أعجبني هذا التشبيه الذي يبين لنا أنّ الله – تعالى – يسر لنا أمورنا ومصائبنا – إنْ كنّا متوكلين عليه في أعمالنا وواثقين في أعماقنا من نصره وفرجه ..

والآن أقول أنّ نظام البطة هذا لن يغلب ثورتين للشعب السوري العظيم إحداهما سلميّة متمثلة في مظاهرات واعتصامات المدنيين والأخرى مسلّحة متمثلة في انشقاق أبطال الجيش وانضمامهم إلى الجيش الحرّ، وإنّ الله – تعالى – لن ينسانا أبدًا ما دمنا توكلنا عليه وجعلنا هدفنا إعلاء كلمته وتظليل بلدنا بمبادئنا العظيمة كالحريّة والكرامة والمساواة ..

وأخيرًا أذكر قوله – سبحانه وتعالى – ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  ” صدق الله العظيم

وعاد التفاؤل لنا بعد عودة أيّام الثورة الأولى وعودة المظاهرات الضخمة لشوارع البلاد ت

عدّة أشياء لا أستطيع فهمها في هذه الفترة الحرجة من الثورة السوريّة .. أولها أنّ وزير الخارجية السوريّ وليد المعلّم يقول أنّهم ينسقون مع روسيا يوميًا و ذلك يعني ضمنًا أنّه لا قرار للنظام السوري بعد الآن و أنّ عمل المعارضة و المجتمع الدولي أصبح رسميًا مع روسيا فقط .. و ذلك يعني أنّ سيادة الدولة السوريّة و سيادة بشار الأسد منتهكة بشكل لا يدعو مجالاً للشك أو البحث فيه .. و أرجو أنْ يستوعب ذلك كل مؤيّد للنظام لأنّهم ما فتؤوا يتغنّون بالنظام السوري و سيادته المصانة و المحصنة من أي اختراق لها و من أي دولة .. إضافةً إلى ذلك فإننا نرى أنّ مبعوث الأمم المتحدة و الجامعة العربية السيد عنان يجتمع و يتباحث مع روسيا و إيران أكثر مما يجتمع مع الحكومة السوريّة و هذا تأكيد لسابق ما قلته ..

الأمر الثاني هو كيف من الممكن للطائفة العلويّة “الكريمة” أنْ تعيش في حيّها في مدينة حُمص و يذهب أولادهم للمدارس و الملاعب والمحلات التجاريّة بأنواعها لم تغلق عندهم وأغلب مدينة حمص بأسواقها ومركزها التجاريّ والصناعيّ وقسمها القديم الأثريّ بمساجده وكنائسه التاريخيّة والأثريّة والقديمة جدًا قد دُمرت تدميرًا بشعًا جدًا وبكل حقد و لؤم ولا حياة فيها فلا من دابة ولا دبيب ديب على الأرض ..!!! وأذكركم بأقوالهم وشعارتهم مثل ” الأسد أو تُحرق البلد ” و ” الأسد أو لا أحد ” و ” شبيحة جوعانين بدنا ناكل مندسين ” !!!

الأمر الثالث يشبه الأمر الثاني في قالبه الخارجي ولكنّه يختلف إختلافًا شديدًا في بنيته الداخليّة وهو تعجبي واستغرابي من أهل دمشق وحلب وخصوصًا تجارها، فكيف من الممكن لهم أنْ يصبروا كل هذا الصبر أو ربما يتواطؤوا كل ذاك التواطؤ مع النظام المجرم وريفا المدينتين يقصفان بكل وحشيّة وعنف وترتكب فيه المجازر كلّ يوم وكلّ ساعة .. فكيف إذا قلت أنّ كلّ سوريا تُقصف وتُدمّر ولم يتحركوا ولا حتى حركة صغيرة فقط .. لا نريد منهم أكثر من الإضراب وإقفال محلاتهم ومعاملهم ومصانعهم والجلوس في المنزل ومشاهدة برشلونة وريال مدريد .. فهذا طريق قصير ومضمون لسقوط نظام لا أحد يريده ولا أحد يُطيق العيش تحت ظلّه إلا كلّ مختل عقليًا .. مع شكر كل الأحرار في المدينتين الذي يخرجون في المظاهرات ويعرّضون أنفسهم لمخاطر كثيرة ولكنّني أعتقد أنّها لن تؤثر في النظام إذا استمرت هكذا لألف سنة، ولذلك أعتقد أنّه من المهم جدًا أن ينظموا إضرابًا شاملاً لأسابيع كثيرة حتى يسقط النظام .. وهذا أمر مفهموم ..

الأمر الرابع هو أنّ بعض الأشخاص – وأعتقد أنّ أغلب هؤلاء خارج سوريا – يتناحرون ويتبارزون ويتنافسون على اسم معيّن للجمعة هذه والجمعة تلك .. ففريق ينتصر وفريق يخسر وتبدأ الجدالات والمناحرات على تويتر وفيسبوك وتبدأ بعدها عمليات الحجب والتصفية والمشاجرة بين الأصدقاء بسبب اختلاف على اسم جمعة … وماذا يعني أنْ يكون هذا الاسم أو ذاك، فذلك لن يُغنِ الثورة ثقافةً ولن يزيدها قوّة بل على العكس من ذلك ..!

 الأمر الأخير هو أن العالم كلّه أصبح متآمرًا علينا بكل معنى الكلمة، فها هو كوفي عنان ميّع الثورة بشكل كبير حتى أصبحت في نظر الكثير من الناس في أنحاء العالم نزاع أهليّ على السلطة في سوريا وأنّ البلاد تحتاج لممرات إنسانيّة فقط لمساعدة المتضررين من ذلك النزاع العنيف، وأنّها تحتاج لمراقبين للمساعدة في وقف أعمال العنف دون إدانة للنظام الأسدي ودون تحديد للمتسبب الأول والأخير بشار الأسد وأعوانه ….!!

هذه كانت بعض الأشياء التي لا يستطيع عقلي أو فكري تفسيرها و استيعابها .. أتمنى ألا أفهمها أبدًا وأرى هذا النظام يسقط بقوّة الله – تعالى – التي أعطانا جزءًا نتقوّى به منها للثوار الأبطال ….

ملاحظة هامّةك كتبتها خصيصًا لجريدة عنب بلدي  .. https://www.facebook.com/enab.baladi

الحمد لله الذي منع الظلم على نفسه – جلّ وعلا – وحرّمه على عباده المستخلفين في الأرض والذي هدانا – نحن السوريين – للثورة على الظلم والظلّام وطلبًا للحريّة وللعزة والكرامة، فإنّ ذلك لشرف لنا ما بعده شرف أن يشاهدنا العالم بأسره ونحن نجاهد بأنفسنا وماديّاتنا من أجل مفهوم ومبدأ تحترمه كل الشعوب وكلّ أبناء آدم – عليه السلام – ..

ولكن بعد نصف سنة من القتل اليومي والمجازر البشعة التي ترتكبها ” الجهات المختصة ” بقيادة بشار حافظ الأسد بحقّ إخوانهم وجيرانهم في الأرض وبعد مجازر الاغتصاب الجماعية لحرائر سوريا والذين لا ذنب لهم سوى أنّهم قالوا “ما منركع إلا لله ” .. وجد بعض الشباب والرجال أنفسهم في أقصى درجات الذل والخسران، فهم خسروا منازلهم وأولادهم ونساءهم وكثير من أفراد العائلة، فما كان منهم إلا أنْ اشتروا روسية وبعض المخازن وحملوه مكرهين و”غصب عنهم” بسبب ما ذكرت .. فأخذوا يهاجمون “الجهات المختصة” التي دمرت حياتهم وجعلتها جحيم بسبب كلمة، وكانوا يحاولون يبحون عن الوجوه التي عذبتهم وقتلت أهلهم ويحاولون الانتقام لأنفسهم ولأهليهم …

وبسبب كثرة أعداد شهداء الثورة في أنحاء البلاد ازداد تسلّح الشباب واتجه بعضهم من العمل في المظاهرات والاعتصامات إلى حمل السلاح .. وبدأ هذا الاتجاه بالظهور على السطح أول مرّة بعد نصف سنة وبلغ أوجه في الشهر العاشر للثورة حسبما كنت أرى شخصيًا في شارع مدينة حمص ..

ولكن الأمر كان عشوائيًا وفوضويًا بشكل واضح، فلم تكن هناك قيادة فاعلة لهؤلاء الثوّار الذين لم ينتسبوا للجيش ولم يتدربوا على أيدي أحد، وبطبيعتهم الثوريّة الغاضبة لم يكونوا جاهزين لتلقي الأوامر من أي شخص والصبر في رجاء النتائج الأفضل، فحتّى لو كان هناك ما يُسمى بقائد المجموعة فلم يكن أعضاء هذه المجموعة ينصاعون لأوامره بغض النظر عن صوابها أو عدم ذلك ..

ولذلك نتج عن هذه العشوائيّة أخطاء فادحة أعتقد أنّها زادت في عمر النظام الوحشيّ و أعتقد أنّها كلفت الثوّار أنفسهم والمدن الثائرة خسائر كبيرة في الأرواح والماديات كان من الممكن تجنبها ..

سأذكر مثالاً واحدًا على ذلك ويمكن لكم أن تقيسوا عليه .. ففي حي القرابيص – الصغير في وسط مدينة حمص الذي يجاور المشفى الوطني والذي يحيط به أربع أحياء كبيرة هي الخالدية والقصور وجورة الشياح والغوطة – كان يعيش أهله أحلى أيام الثورة فكل يوم يخرجون في مظاهرة أو اثنتين ويسهرون في ساحتهم وهم يغنون أناشيد الثورة ويدعون الله – تعالى – أنْ ينصرهم على عدوّ الإنسانيّة بشار الأسد كل ذلك وكان يوجد في الحي حاجز للأمن يقسم الحي نصفين ولكنه كان لا يؤذ أهل الحي بعد اتفاق بينهم على أن يخرجوا إلى الحياة بشكل طبيعي جدًا على ألا يتظاهروا بشكل استفزازيّ أمامهم .. وبذلك كنا نحن أهل الحي نصلي كل الصلوات في المسجد وندعو بصوت مرتفع على بشار الأسد وجهاته المختصة دون أي مضايقات من العناصر الموجودة على حاجز الأمن، وفي ذات يوم كنت أجلس في المسجد مع أصدقائي نتدارس الفقه ونستفيد من وقتنا الذي كثر لدينا وكان بعض الشباب وشيخ المسجد ينظفون المسجد فجأة وجدنا أن الحركة في الجامع ارتبكت وأصبح الوضع مرتبكًا .. فجاء إلينا الشيخ وطلب إلينا أن نذهب إلى بيوتنا خصوصًا إن كنا من خارج الحي فخرجت مسرعًا وأصدقائي خارج الحي وأثناء ذلك ونحن نمشي في الحي وجدنا أن الثوار جاؤوا وحاصروا الحاجز من جميع الجهات والناس جميعها تغلق محلاتها – بالمناسبة هذا الكلام من شهرين تمامًا – نظرت أخيرًا وأنا غاضب على العناصر فوجدتهم يتمشون خارج المتاريس بلا سلاح، ومضيت في طريقي حتى ما أن خرجت من الحي فسمعت إطلاق نار عنيف جدًا جعلني أركض مسرعًا، وبعد قتل أولئك العناصر قلت في نفسي بشّر هذا الحي بالدمار والقصف العنيف، واستقر الثوار في الأحياء المجاورة أيضًا وبدأت أترقب متى يبدأ القصف على هذه الأحياء، فما أن انتهت الجهات المختصة من تدمير وحرق حي بابا عمرو وباب السباع وكرم الزيتون سقطت صواريخ الحقد والساديّة على الأحياء المجاورة وحي القرابيص الصغير الذي كان يحوي الكثير من العائلات المهجرة من الأحياء السابقة فتشردوا جميعًا بعد أن قُتل منهم ما قُتل، وبعد أن كان حي القصور يحوي الآلاف من المُهجرين من الأحياء المدمرة في المنازل والمدارس والمساجد تشردوا أيضًا جميعهم بسبب القصف المرعب المدمر الذي لا هدف له إلا تدمير أي شيء قائم من حجر وشجر وبشر …!

أحزن كثيرًا وأنا أرى حيي مدمرًا على الأرض والبنية التحتية أصبحت من الماضي فلا يمكن أن نتذكر الكهرباء والماء بعد الآن  فالحشرات الآن تنهش في الحجر قبل الجثث فأصبحت الذبابة التي رأيتها تأكل في الجثث مخيفة جدًا وكبيرةً جدًا، والناس عانت الأمرين حتى استطاعت الخروج من الأحياء التي كانت تقصف فاضطروا إلى فتح ثقوب في الأبنية والانتقال فيها إلى جهة آمنة ثم الهروب إلى خارج المدينة وتعلمون الباقي من عذابات التهجير ….

قدر الله – تعالى – وما شاء فعل ولكن أقول أنّه كان من الممكن تجنب كل هذه الخسارات الفادحة بقليل من الحكمة والتفكير العقلانيّ، فمن غير المعقول أن تنجح ثورتنا أخيرًا ونحن لا نملك سقفًا نسكن تحته ولا حتى مدارس نسكن فيه أو مستشفيات نداوي جرحانا بها ..!

وحتى لا نقع في الخطأ آلاف المرات أرجو إيصال هذه الكلمات لمن يعنيه الأمر ودراسة كل حركة ونتائجها وعواقبها على المدى البعيد والتفكير في المصلحة العامة للثورة والتفكير في سمعتنا نحن الثوار وخصوصًا ثوار حمص العدية حتى لا نكون ثوار انتقام وحقد على نظام الأسد بل لنبقى نحن ثوار الحريّة والكرامة ..

وهذا هو حي القرابيص وسط حمص الآن بعد القصف !! مع العلم أنّ هذه المنطقة كانت من أكثر المناطق ازدحامًا ..

http://www.youtube.com/watch?v=Hd9cjV0pr8M

أمام هذا المؤتمر التافه والذي يُدعى بمؤتمر “أصدقاء الشعب السوري”  لم يستطع قلمي أن يتمالك خطّه، سينطلق ليبخّ السمّ عليهم وهم جالسون في قاعتهم ذات الرائحة النتنة .. لسبب رئيسي واحد وهو أنّهم يشوهون معنى الصداقة العظيم والذي نعشقه كلنا .. فكلّكم تدركون أهمية الصداقة في حياتنا وأهمية وجود الأصدقاء إلى قربنا دائمًا وخصوصًا في أحلك الظروف وعند حدوث المشاكل كي يساعدوننا على تخطيها والتغلب على العقبات في حياتنا .. والأصدقاء لا يكتفون فقط بالكلام اللطيف الجميل الذي ينزل كالبلسم على نفوسنا وإنّما يتبعونه بالعمل والفعل حتى يزيلوا عنّا هذه المشكلات ويحققون السعادة بدلاً منها ..

وإنّني شخصيًا أعشق معنى الصداقة وأحترم الناس وأتمناهم أصدقاء لي، لذلك أخاطبهم على أنّهم أصدقائي حتى يعملوا أنّنا موجودون لبعضنا عند كل ضائقة .. ولكنّ هذا المفهوم يُهاجم الآن من مجموعة يدعون أنفسهم “أصدقاء الشعب السوري” .. فبعد انعقاد مؤتمرين اثنين لهم – بلا فائدة – فإنّني أشعر بأنّ معنى الصداقة أُهين وذللت كرامته لمستوىً أحسستْ معه أنّني سأتحاشى مخاطبة الناس بـ”صديقي” حتى لا يبتعدوا عني ..

فالمؤتمر الأول لم يكن منه أيُّ فائدة على الإطلاق حتى أنّني لماذا اجتمعوا ولماذا عذّبو أنفسهم بالاجتماع والجعجعة ..! كان من الأفضل لهم أن يرسلوا الأموال التي تُصرف على تلك الاجتماعات الضخمة الفارغة إلى الشعب السوري الذي يموت بينما هم يجتمعون للضحك على من يصفون أنفسهم أنّهم أصدقاء لهم ..

انتهى المؤتمر الأول بنتيجة واحدة فقط وهي تضخيم الهوّة بين القول والفعل وهي المشكلة الحقيقيّة التي يُعاني منها هذا العالم الآن .. فما زالت مشكلة علوِّ صوت ضجيج الخطابات وانخفاض صوت ضجيج العمل تقتلنا نحن السوريين بشكل غير مباشر ..

والآن يأتي المؤتمر الثاني لهم ومعهم تعزيزات أكبر وأقوى لتدعيم هذه الهوّة والازدواجيّة التي تعزل القول عن الفعل ..

فانظروا لمّا قال أردوغان “صديق سوريا” : “علينا التفكير في مصلحة سوريا” .. هذه يعني ضمنًا وبشكل واضح جدًا بأنّهم وعلى مدى عامٍ مضى لم يكونوا يفكروا في مصلحة سوريا وشهدائها وإنّما فقط في مصالح تخصهم هم .. غير مكترثين بنا وبما نعانيه من عنف وحشيّ لم يشهده العالم الحديث و غير مهتمين بأرواح أصدقائي في حمص وادلب وحماه !!

لذلك أقول بأنّ هذه الجماعة الكذّابة والمعتدية على معنى الصداقة الرائع أقرب ما تكون إلا “أعداء الشعب السوري” لأنّهم لا يلبثون يعطوننا آمالاً أو أوهامًا سرابيّة رمادية غير واضحة وغير حقيقيّة، فهم فقط يعطون نظام الأسد – أو “البطة” كما يُدلّع – المزيد من الوقت والجرأة والوقاحة لقتل المزيد والمزيد من شباب الشعب السوري – والذين هم أصدقائي – ؟…!!

وأخيرًا أٌقول بأنّ هذه الهوّة السحيقة بين الفكر والسلوك وبين القول والفعل .. لن يردمها مجرد “أصدقاء” وإنّما سيردمها “أصدقاء صدوقين” ..

والأصدقاء الصادقون هم أهل حُمص عندما انتفضوا غضبًا لأهل درعا، والأكراد عندما ثاروا لإخوتهم العرب ..

ملاحظة: قبل أن أنشر التدوينة نظرت إلى الرآي حتى أتأكد أنّهم ليسوا أصدقاء لنا وأنهم يقولون دائمًا ما لا يفعلون .. وطبعًا هم كذلك دائمًا …! ولا تنسوا طبعًا أنّهم يجتمعون صدفة مع أول نيسان و عيد انطلاق قناة الدنيا ت

لم أستطع أن أمنع نفسي من انتقاد بعض الأمور الحسّاسة التي تجري في بلدي العزيز في خضم ثورة الحريّة و خصوصًا حيث أتنفس الآن في مدينتي حُمص ..
عندما ترى مدينتك قد دُمِّرت والأسواق فيها قد هُدِّمت والناس هُجِّرت وعندما تمشي في شوارع مدينتك الخالية تمامًا من الحياة – إلّا أصوات الصواريخ وانفجاراتها وأصوات الرصاص وآلات القتل – باحثًا عن قليل من الخبز أو الرز فإنّك لا تستطيع مع كل ذلك صيرًا .. وتبدأ دموعك تغلي في عيونك فتسقط غاضبةً ساخنة تشوي الوجه .. فيعود عقلك ليبحث في أسباب ما حدث من دمار وقتل ليس له مثيل .. فتجد أنّ وحشيّة بشار الأسد وعُبّاده لا تضاهيها وحشيّة أحد نمن البشر .. ولكنّ عقلك يأبى أن يكون هذا الأمر سببًا و كفى .. فيبحث عن أخطائه الشخصيّة ….

مع أسفي الشديد فإنّني أريد أن أنتقد ذاتنا بشيء غير قليل … فهنالك الكثير من الأخطاء الفادحة التي يتسبب بها كل من يقود اتجاهات الثورة الآن – وهم غير حكماء بكل تأكيد – فكل الأطراف برأيي تشترك في صناعة هذا الدمار الهائل الذي لحق بالبلاد وخاصةً حُمص .. فكان بالإمكان ألا نخسر كل أولئك الشباب الرائعين – الحمد لله و رحمهم الله تعالى – بشيء يسير من الحكمة والصبر والتفكير ..
فحتى الآن – وبعد عامٍ كامل – لم يفهم عامة الناس معاني اللاعنف و السلميّة والجهاد أو الكفاح غير المسلَّح .. وأنا لا ألومهم ولكنْ ألوم من كان يستطيع من خلال مركزه الإعلاميّ أو السياسيّ أو الدينيّ أن يوّعّيهم و ينشر فيهم أفكار الجهاد السلميّ و أهمية فكر العصيان المدني والإضراب العام و فوائد كل ذلك غير القليلة وسلبياته القليلة جدًا .. و سأعود لهذه النقطة بعد قليل ….
و عزّة النفس والوازع الأخلاقيّ والواجب الدينيّ منع الكثير من الجنود الأبطال في الجيش السوري من اتّباع أوامر القادة العسكريين – العبّاد لحافظ الأسد وذريّته – فانشقوا عنه وشكلّوا الجيش الحرّ الذي نفتخر به و نحترمه أشد الاحترام .. وعندما نراهم على الفضائيات تنشرح صدورنا ونشعر بالأمن والأمان الذي سلبته منا عائلة الأسد .. وأنا شخصيًا عندما أراهم أشعر بزهوٍ و غرور غريبين وأقول في نفسي هاهم أشجع شباب سوريا ..

ولكن كفانا عواطف فسأنتقل إلى ما هو أهم … ففي العصر الحديث الذي لا يعترف إلّا بالفكر والعلم نشأتْ علومٌ كثيرةُ جديدة تُدرّس في الجامعات حتى ينجح الإنسان في حياته وأعماله أمثل وأكمل نجاح .. منها علوم القيادة والإدارة والتخطيط .. وكنت أقول لنفسي من سيقود هؤلاء الجنود المنشقون ومن سيدرّب ويقود وينظّم من حمل وسيحمل السلاح من المدنيين الذين التحقوا بالجيش الحرّ أو الذين كونوا لأنفسهم جماعات خاصة لها قيادة منفصلة عن الجيش الحرّ و غير معروفة ..!!
فبدون معرفة من يقود وينظّم ويدرّب هؤلاء سيكون قلبي غير مطمئن أبدًا للفوضى وللنتائج السلبيّة التي ستلحق بهذه العشوائيّة ..
وبدأت عواقب غياب الحكمة والإدارة والقيادة الماهرة بالظهور بشكل واضح جدًا في حُمص .. فسيطر الجيش الحرّ على بابا عمرو وسيطرت جماعات من المدنيين – كانت قد تسلّحت لشدة ما لاقته من عذاب و تقتيل – على أحياء دير بعلبة و الخالديّة و البياضة و القصور و كرم الزيتون والقرابيص .. الخ من أحياء حُمص مع قليل جدًا من عناصر الجيش الحرّ أو ضباطهم بين هؤلاء المدنيين ..
فأصبحت حُمص محرّرة من الجيش الأسديّ بعد معارك طاحنة اقتُلعتْ فيها حواجزه من كلّ الشوارع .. وساد بعدها هدوء رهيب لعدّة أيّام أخذت فيها الناس مجدها من حريّة التنقّل في الشوارع وحريّة التظاهر والاعتصام والحياة الهادئة .. وفجأةً بدأ ما هو متوقع .. القصف العنيف من بعيد على أحياء حُمص وبشكل عشوائي .. مما أوقف الجيش الحرّ وجماعات المدنيين المسلّحة عاجزة وشبه مشلولة أمام إمطار الأسد للصواريخ على البيوت الآمنة فتسقط مهدّمة وتقتل معها من كان يسكنها .. ثم بدأ التركيز على حيّ ضخم جدًا من أحياء حُمص – بابا عمرو – ويتركز فيه عدد هائل من جنود وضباط الجيش الحرّ .. و نزلت الصواريخ بسرعة وبكثافة لم يسبق لها مثيل وبشكل عشوائيّ مقصود به تدمير كلّ شيء حيّ أو حتى غير حيّ .. فأصبح الجيش الحرّ كأنّه مكبّل اليدين لا يعلم ما يفعل والناس تُذبح والبيوت تسقط على رؤوس أصحابها .. ظننت بدايةً أنّ اسرائيل تقصفنا و تمسح حيّ بابا عمرو المقاوم من على الخارطة ولكن أصحو على فظاعة الأمر الواقع وهو أنّ إخواني في بلدي هم من يقصفون مدينتي ويقتلوا إخوتي وأصدقائي .. وبعد أن دُمّر كلّ شيء في الحيّ ولم تبقَ فيه صخرة (واقفة على حيلها) قررت قيادة الجيش الحرّ “الحكيمة جدًا” الإنسحاب … أمرٌ مثير للدهشة و للتعجب حقًّا .. إذا كان واضحًا منذ البداية أنكم لن تستطيعون الردّ على تلك الصواريخ الشرسة وإيقافها وإيذاء من يطلقها علينا فلماذا لم تنسحبوا في بداية هذا القصف اللئيم أو لماذا – أساسًا – السيطرة على منطقة معينة والاستقرار فيها ثم الخروج منها عند دمارها بشكل كامل وفظيع وترك أهلها يعانون من عذاب إيوائكم وإطعامكم ومساعدتكم ..؟؟ لكنتم عندها وفرتم الكثير من الخسائر الفظيعة في الأرواح والأموال ..!!

أعتقد أنّه كان حريًّا بهذه القيادة “المتقدة الذكاء” أن تستمر في سياسة ‘ اضرب و اهرب ‘ بدل سياسة السيطرة على المناطق وجعلها عرضةً للدمار والخراب لأنّه ببساطة لا تتوفر القدرة العسكريّة للجيش الحرّ لأن يصطدم مباشرةً مع الجيش الأسديّ .. فاسألوا أهل بابا عمرو الآن ماذا استفادوا سيطرت الجيش الحرّ على حيهم لفترة بسيطة وقمعهم لقوّة النظام ثم عودة النظام بضربة أشدّ قسوة لم يستطع الوقوف في وجه وحشيّتها .. وأخيرًا دفع الجيش الحرّ ثمن غرور و “نباغة” قيادته “الحكيمة” ودفع كل حيّ بابا عمرو ثمن احتضانهم للجيش الحرّ .. فكانت أخيرًا الثورة هي الخاسر الأكبر فقد خسرت الكثير من شبابها الأبطال – رحمة الله تعالى عليهم جميعًا – ..
أقول هنا بأنّه بقليلٍ من التفكير والتمحيص كان يمكن تجنب كل هذه الخسائر الفادحة أو التضحيات العظيمة – كما يسمّيها البعض – فسياسة السيطرة على المنطقة غير مجديّة أبدًا لأنّه لا إمكانيّة للجيش الحرّ بالردّ على الصواريخ والمدافع والدبابات والطائرات التي تقصف وتقتل من بعيد ..
ونرى الآن كيف فهم نظام الأسد الغدّار هذا الخطأ واستغلّه لقتل ما يمكن قتله بما أنّ روسيا والصين تدعمانه دوليًّا عسى أنْ يستطع إخماد الثورة المباركة ولكنّ ثورتنا أقوى من ذلك ولن يسطع إخماد إلّا نفسه اللئيمة ..

وأعود فأدمج فكرة الكفاح السلميّ بفكرة تسلّح المدنيين عشوائيًّا دون تخطيط و قيادة وتنظيم حكيم مع ذكر أنّني لا ألومهم لحمل السلاح ولكنْ ألوم القائد الفذّ الذي يرشدهم المسير و الخطيب الكبير الذي يحرّضهم على ذلك …
فأنا ما زلت أعتقد أنّ السلاح والتسليح أسوأ بكثير من السلم والسلميّة ولو كانت السلميّة فقط من طرفنا .. لأنّ السلميّة بكلّ بساطة خطة اقتصاديّة لا تكلّف إلّا القليل جدًا من الخسائر في الأرواح والماديّات .. وبمقارنة كفاح قائدنا مُحمّد بن عبد الله – صلى الله عليه وسلّم – وأصحابه الكرام في بداية الدعوة في مكة نجد أنّ إصرارهم على مبدأ السلميّة أو الجهاد السلميّ ضد الظلم والعدوان اللذين يُصيبان كل من دخل في الإسلام .. هذا الإصرار على السلميّة نفع الدعوة كثيرًا وكان السبب الرئيس في استمرارها ونجاحها لاحقًا فكانت الطريق الصحيح الذي أوصلهم إلى الهدف بأقل وقت وخسائر وجهد .. فكانت ضحايا المرحلة المكيّة في الدعوة اثنين فقط …!!

ولنقارن بين مراحل ثورتنا .. فكان متوسط عدد الشهداء في اليوم قبل تسلّح المدنيين بين الخمسة والثمانية شهداء أما بعد رفع الكثير لراية السلاح والتسلّح فقد ارتفع متوسط عدد الشهداء إلى 60 شهيدًا في اليوم ..!! وهذا الأمر مفهوم …
أمر آخر وهو أكثر خطورة .. أنّ الأعمال المسلّحة تزرع الأحقاد والثارات بين أفراد البلد الواحد وهي أسوأ بلاء يُصاب بها البلد .. ولنرى مثلاً كيف أصبح الأمر طائفيًّا في مدينة حُمص وأصبح الخطف و تبادل المخطوفين أمرًا شائعًا بل و أصبح الانتقام والثأر أمرًا شبه طبيعي أيضًا .. وهذا نقيض تمامًا لخطة النبي السلميّة كليًّا التي لا تسمح لهذا المشاعر بالظهور بل على العكس تُطفئ الغضب والحقد ..

وأيضًا فإنّ الكفاح السلميّ يستقطب حبّ الناس وعطفهم .. لأنّه من الفطرة التعاطف مع المظلوم والضعيف المضطهد ..
وأيضًا فإنّ إيقاف العنف يوفر جوًّا صافيًّا من كل المشاعر السلبيّة لاستخراج بعض الحلول التي نسميها اليوم “سياسيّة” .. ولننظر في الماضي والحاضر وكفاحات الشعوب فيها .. فهل استطاع الكفاح المسلّح أنْ يقضي على الاستبداد والظلم ..؟ ربما يقمعه لفترة .. ريثما يتجهّز المستبد و الظالم لضربة أعنف و أقوى .. وهذا الدوران في حلقة مفرغة لن يؤدي إلّا لمزيد من الخراب والدمار كما يحصل الآن في حُمص العديّة .. و أيضًا فإن الكفاح السلميّ لا يسمح للظلّام والمستبدين أن يستتروا تحت مظلة القضاء على الفتنة والإرهاب كما يفعل نظام الأسد الغادر .. وكما تفعل كل الأنظمة المستبدة .. وأعتقد أن عددًا كبيرًا من الناس – بعد قيام كل هذه الثورات في الأقطار العربية – بدؤوا يدركوا أهمية الجهاد السلميّ في اقتلاع الاستبداد والظلم من على عروشه المزيفة ..
وأخيرًا أنوّه إلى أنّني لا ألذع بكلماتي هذه الجيش الحرّ البطل أو من حمل السلاح من المدنيين ولكنّني أنتقد بشدّة قياداتهم الغبيّة ومن يدعمهم ومن يُحرِّض على حمل السلاح دون إعداد مسبق أو تخطيط مُدبّر ..

فهذه الفوضى و العشوائيّة التي أصابت هذا الجزء المهم من ثورتنا لن تجلب إلّا السمّ القاتل لنا وتفتح المستقبل القريب للبلد على دمار و عنف في دوامة ليس لها نهاية ..

وأُذكر تلك القيادات الفاشلة بأنّ الإعداد للجهاد (المسلّح) يسبق إعلان الجهاد ..

أسأل الله العزيز الكريم أن يُخلصنا من بشار وأعوانه عاجلاً لأنّه قد تمادى كثيرًا في إيذائنا وتدمير مدننا الجميلة .. والحمد لله رب العالمين على كلّ حال …..

وأنا تحت هذا الحصار الشديد والقصف العنيف الذي نقبع تحته مدينتنا العديّة حُمص الأبيّة أكتب هذه الأحرف التي تخرج من قلب مكسور حزين متشائم ولكنّ شمعة الأمل فيه لا تنطفئ وما تزال تضيء لقلبي الطريق..
تعبت هنا الناس ويأست بل وحتى تيبّست وتحجّرت لهول ما عانته من قساوة وظلم ، فأصبحت أعداد القتلى لا تهم ومناظر الجثث الممزّقة لا تحرّك الجفن وأصبح صراخ الجرحى أمرًا طبيعيًا وفوق كل هذا أصوات القصف تهزّ الأرض بواسطة أعنف الآلات الحربيّة اعتدنا عليها وأصبحت لا تؤثر فينا .. هجرت الناس بيوتها وتركتها لتنهبها حيوانات بشار الأسد وتغتصبها دون رادع أو مانع ..
ولكنّ الله – تعالى – لا يتركنا نعيش في هذه الصورة السوداء .. سبحانه وتعالى يُهيئ لنا من حيث لا نحتسب عزيمة و همّة لم نكن نتوقعها في هذه الحال .. فترى الناس تساعد بعضها و تشدّ على أكتاف جيرانها فأصبح الذين دُمرت بيوتهم كالمهاجرين واخوانهم الذين يستقبلونهم في منازلهم ويتقاسمون معهم لقمة العيش كالأنصار … في أجمل الصور و أحلاها تعيش مدينة حُمص التعاون والتضامن والحب والكرم .. في مقابل أبشع صور الأجرام و الوحشيّة التي لم تعرفوا عنها شيئًا بعد ..
نعود إلى كتاب الله – تعالى – في سورة الأنفال ونقرأ ما سُطِّر في الآيات (28:25)

وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ

فنرى وصف حالنا بالضبط في هذا الابتلاء والاختبار العظيم .. ففي الآية 25 يخبرنا الله – تعالى – بأنّ الابتلاءات إنْ أصابت مجتمعنا فإنّها لا تصيب فقط الظالمين وإنّما تُصيب المظلومون و كثيرًا من الناس أيضًا لأنّهم ظلموا أنفسهم عندما سكتوا عن الظلم الواقع عليهم و رضخوا للظالم و نكّسوا رؤوسهم لجبروته وضلّلوا أنفسهم بواسطة أداته الإعلاميّة فصدّقوه بكلّ جوارحهم غصبًا عنهم فاستحقوا جميعًا العذاب .. ولا يتقي هذا العذاب إلا من أنكر هذا الظلم الواقع عليه وعلى إخوانه وعلى كل مظلوم في الأرض و جاهد ضدّه و ضدّ كل ظالم متوكلًا على الله – تعالى – وصابرًا على فتنة وعقبة يُمتحن بها في طريق ثورته ..

وننتقل إلى الآية 26 فيذكرنا الله – تعالى – بأصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يوم كانوا قلة ضعفاء في مكة ثم آمنهم في المدينة و رزقهم غنائم المعارك .. وعسى هذه الذكرى تنفعنا .. فنحن اليوم في حالنا تمامًا كما كان الصحابة رضوان الله – تعالى – عليهم .. نعيش أيام ثورتنا و نجاهد فيها و نحن قلّة ضعيفة في هذه الأرض فلا أحد ينصرنا ولا أحد يُدافع عنا فيكتفون بمشاهدتنا وأحيانًا يمتعضون وأحيانًا أخرى يرسلون بعض السكر و علب التونة …!!! جزاهم الله خيرًا فكأنّ ثورتنا اشتعلت لأنّ سوقنا محروم من التونة وليست ثورةً على الظلم وطلبًا للكرامة والحريّة .. و نحن نعيش هنا الخوف من أخذ هؤلاء المجرمين لنا على غفلة في رصاصة غادرة أو مداهمة فاجرة فيقتلوا و يغتصبوا بدون مانع لأنّنا أضعف منهم ولكنّ سنة الله – تعالى – ماضية ففي النهاية يؤوينا الله – عزّ و جلّ – في منازل الأمان والأمن وينصرنا على أعداءنا الذين ظلمونا ونالوا من أنفسنا وأولادنا و حتى ديننا .. فيكون نصرنا نصرًا كبيرًا نفرح به و نحمد الله – تعالى – على غنائم هذا النصر ..

ويحذرنا الله – تعالى – في الآية 28 من أن تلهينا أمور الدنيا التي نخاف عليها في الدنيا كالأموال والأولاد عن الثورة والجهاد العظيم ضد الظلم والفساد في الأرض .. فهذه الفتن تزرع الخوف في نفوسنا و تورث الجبن في قلوبنا و تجعلنا نبتعد عن طريق الثورة المجيدة .. فعلينا أنْ نعي و نفهم أنَّ ما عند الله – تعالى – من أجرٍ لذلك الجهاد أعظم وأكبر من مراعاة الأولاد و الأموال و التخلّف عن الثورة و السكوت عن الظلم و ربما خيانته لأجلهم ..
و بعد الإيمان بأنّ سنن الله لا تتبدل ولا تتغير و أنّها ستتحقق لا محالة .. فإنّ قلوبنا تطمئن و تكبر شعلة الأمل في قلوبنا و تنيره كله قاتلةً بذلك البؤس و التشاؤم والحزن .. و نعود إلى قوتنا النفسيّة التي تحررنا فعلًا من كل هذه القساوة والوحشيّة التي نُعامل بها ..
فبدل أن نقرأ مليونية قرآنيّة ربما تزيدنا حزننًا و لا نستفيد منها في ثورتنا نقرأ آيات قليلة نفهمها ونعمل بها في ثورتنا تزيدنا قوّة و تفاؤلًا .. فالقرآن أداة الله – تعالى – على الأرض تساعد الإنسان على النهوض بواقعه إلى واقع أفضل .. لنعمل بالقرآن العزيز لأجل ما خُلق لأجله ..

يقول لي أحد زملاء الدراسة – وهو من حماه – بأنّ الإخوان المسلمون هم سبب ما تعيشه حماه اليوم –يقصد ما قبل الثورة- من سوء خدمة وإهمال ومراقبة دائمة .. أنا أكتفي بالرد عليه بكلمة “ربما” ..

ويخبرني صديقي -من الطائفة العلوية- أنّ سبب ما تعيشه سوريا من تخلف وكبت ومراقبة وقهر وتسلط المخابرات هو تنظيم الإخوان المسلمون الذي عاث فسادًا في البلاد وكان سبب القتل والدمار في تلك الفترة قبل أن يقتلع حافظ الأسد – باني سوريا الحديثة – التنظيم من جذوره ..!! قاطعته هنا وقلت له لا يحق لك التكلّم عن فئةٍ قُتلت وعُذّبت وقُتِلَ معها من قُتِلَ من المواطنين الأبرياء بدون أن تقرأ شيئًا عنهم أو على الأقل أن تسمع منهم .. ردّ عليّ بأنّه سيفعل وأنّه سيقطع علاقته بي لأنّه لم يظن أنني هكذا !!!

أما صديق آخر وهو أيضًا من الطائفة العلويّة كان يتفاخر أمامي بأنّ والده –في المخابرات الجويّة- والقريّة كلّها خرجت لقتال الإخوان المسلمين وقتل ‘المتمردين’ في حماه .. وأنّ والده له الشرف في أنْ يبقى يومًا كاملاً تحت جسم الدبابة حتى قُطعت ساقه ..!! والمهم هنا أنّه أخبرني بسيره في هذا طريق والده وطائفته لحماية ‘الديك الكبير’ ويقصد بشار .. دخل الكلية الحربيّة وتطوّع في المخابرات ولم أره من ثلاث سنوات ….

(تلك عينة لأراء مختلفة من الشباب عن تلك الذكرى الأليمة)

بمناسبة الذكرى الأليمة والحزينة لمجزرة لم تحصل في التاريخ في مدينة حماه – مجزرة طائفيّة بشكل واضح – سأذكر علاقة الإعلام بغسيل الدماغ الذي خضع له معظم السوريين ..وذلك بدون إحصائيات وأرقام أو كلام كتب .. بل بتفكير منطقي وذلك بربط ما حدث بالأمس بما يحدث اليوم وبما تقوم به الآلة الإعلاميّة الحقيرة في ذلك الوقت وفي هذا الوقت ..

استنتجت مباشرة بعد أشهر من الثورة المباركة .. أنّ ما حدث في حماه يومها كان ثورةً أيضًا ولو كانت صغيرة ومحدودة وبسبب بعض الأخطاء وقعت بين فكي السفّاح المجرم حافظ الأسد .. فقد جنّد ذلك المجرم -أغلب- طائفته بشكل علني منذ سبعينات القرن الماضي وعمل على نزع أيّ خلق إنسانيّ من قلوبهم و قتل كلّ عصب دماغيّ ليتحوّلوا لوحوش لا يفكروا ولا يشعروا كما نرى اليوم ..

وكانت أرقام التنميّة للبلاد تهوي إلى الحضيض منذ ذلك الوقت ويتراجع معها اقتصاد البلد و حورب فيه الدين والعلم واعتقل المثقفين و أصبح مؤواهم ظلام السجن .. حتى أصبحت البلاد مزرعة لعائلة الأسد وأعوانهم ينهبون منها ما شاؤوا ويغتصبون ما أرادوا دون مُحاسب أو معترض ..

تنبّه لذلك سريعًا قلةٌ من الشباب المنظمين تحت اسم الإخوان المسلمون واختاروا الثورة على هذا الاستعمار المحليّ الذي أصبح كالسرطان ينتشر بضراوة وبسرعة صامتة وينتهي بقتل كلّ شيء ..

اختاروا الثورة على ذلك السرطان بالجهاد المسلّح وبدأوا به دون دراسة كافية أو حشد لطاقة الشعب و مؤازرته .. وبما أنّها اقتصرت على تلك الفئة القليلة من الطليعة المقاتلة والمحدودة العدد والعتاد فقد أصبحت فريسة ضعيفة نجح حافظ و رفعت في افتراسها ..

هذا الأمر كنت أشك فيه كثيرًا بيني وبين نفسي وأتساءل .. هل كانت ثورةً حقيقيّة أم أنّها مجرد تمرّد مسلّح لمجموعة صغيرة تريد الخراب والدمار للبلاد ؟

هل كان الجيش فعلاً يدافع عن الأبرياء وعن أمن البلاد عندما قتل الناس ابتداءً من منتصف السبعينات وانتهاءً بمجزرة حماه الكبرى ؟؟

كان من الصعوبة أنْ أعرف تمامًا ما حدث وقتها ، أولاً لأنّ الناس تخاف من ذكر الموضوع وكانت عقوبة التكلّم فيه إمّا السجب المؤبد أو الإعدام .. وثانيًا وهو الأهم الآلة الإعلاميّة المضلّلة التابعة للنظام ‘ اللاأمني ‘  الفاسد والمجرم بالاشتراك مع التعليم الفاسد في مدارس النظام والتعلّم من مناهجه الضعيفة …

و أصبحت عقول ملايين السوريين مغسولة وبينها وبين الحقيقة حجاب أسود .. حين عملت الآلة الإعلاميّة الأسديّة -كما عملت نظيراتها العالميّة- على تشويه صورة الحرّيّة وحق الدفاع عن النفس بالنسبة للمسلمين .. فجميع الشعوب لها الحقّ في أن تعيش حرّة كريمة ولها كلّ الحقّ في أنْ تدافع عن نفسها وشرفها ضد أيّ معتدٍ كان .. أما إذا كان تعلّق الأمر بنا فهذا أمر آخر ..!

فأصبح طلب الحرّيّة “خيانة” .. وصارت مقاومة دوس الكرامة “تنفيذ سياسات خارجيّة” .. وأصبح الجهر بكلمات الحقّ “النيل من هيبة الدولة” .. وصار حمل السلاح دفاعًا عن الدين والنفس والعرض “إرهابًا” ربما لأنّ له اسم محدّد ألا وهو الجهاد ..

وهنا أتذكر قول رسولنا الكريم محمّد بن عبد الله عليه من الله -تعالى- الصلاة والسلام ” ما ترك قوم الجهاد إلّا ذلّوا “ .. وانظروا لحال أمتنا قبل سنة من الآن ..!!

اختارت تلك الفئة المؤمنة من الإخوان المسلمين والشباب المقاتلين الجهاد المسلّح طريقًا للحدّ من انتشار سرطان الاستعمار المحليّ ولم يكونوا وقتها قد اهتدوا لطريق الجهاد السلميّ الذي وفقنا الله –عزّ وجلّ- له .. وبسبب عدم وجود إلا تلك الآلة الإعلاميّة الأسديّة في فضاء مجتمعنا فقد شوهت سمعة هؤلاء الأبطال المجاهدين وكانت عصابات الأسد ترتكب أبشع المجازر في حقّ العسكريين الشرفاء وفي حقّ المدنيين الأبرياء وتنسب كل تلك الأفعال الحقيرة إلى تلك الفئة المجاهدة الشريفة ..

وبعد أن دارت عقارب الساعة ثلاثين سنة بعد مجزرة حماه الكبرى نرى الآن بأعيننا آلة إعلام النظام الحقير كيف تكذب وتنافق وتزوّر الحقيقة وتطمسها .. فأنتم تشاهدون ما نصوره لكم من مقاطع بآلاتنا البسيطة ونحن في الداخل نشاهد ونشعر بكلّ حواسنا ما يفعله بنا هذا النظام الآثم .. ورغم كل ذلك التطوّر الإعلاميّ و توفر قدراته في أيدي الجميع فإنّ فئةً كثيرةً ما تزال صامتة جامدة أمام مجازر النظام البشعة .. تخيلوا الآن أنّ هذه الآلة الإعلاميّة موجودة وحدها فقط دون أيّ شيء آخر ، لكانت دُفنت الثورة في أرض درعا وحمص أو ربما قبل ذلك ودُمّرت المدينتين كما حدث في حماه وألصقت التهمة بمجموعات إرهابيّة سلفيّة إخوانيّة صهيونيّة .. وصدّق الجميع ذلك …!!!!

هذه الآلة الإعلاميّة المجرمة لوثت تاريخ تلك الفئة المناضلة ولوثت سمعتها بالهباب الأسود .. وسخّرت كل إمكانيّاتها للقضاء على اسمها أو ذكر اسمها وهذا أمر مفهوم ..

أمّا الأمر غير المفهوم : كيف ما يزال عاقل بعد اليوم يصدّق إعلام النظام الآثم ويقول عن أولئك المجاهدين أنّهم إرهابيّون وأنّهم السبب في ما حصل لحماه الجريحة ، ويأتي الآن ليلومني على أنّني وأصدقائي الثائرين السبب في خراب هذه الدنيا ويسترجع لي هناءة العيش ورغده ورحلاته وضحكاته التي كنا –ننعم- بها .. سحقًا له ولكلّ من غُسل عقله وغُيّبَ عن الحقيقة البيضاء ولم يستيقظ مما هو فيه .. أنسيَ ما قدمته حماه وأبناءها الأبطال من تضحيات لا يعلمها إلا الله -تعالى- أم نسيَ الدمار الذي لحق بتلك المدينة التاريخيّة القديمة قِدمَ هذا الزمن .. أم نسيَ أنّه لا يوجد منزل إلّا فيه شهيد أو مفقود أو معتقل أو مُهجّر .. وكل ذلك في سبيل حرّيّتنا وكرامتنا .. ولو كانت تلك الفئة انتصرت وأسقطت نظام الأسد المجرم لأراحتنا ثلاثين عامًا منهم و لقام الناس يشكرون أولئك الأبطال و لقبّلوا أيديهم وأرجلهم على ما قدّموه للبلاد وللناس من فضلٍ كبير …..

إذا نسيَ العالم كلّه ضحايا وشهداء مجزرة القرن الماضي بحقِّ الشعب السوريّ وبحقّ مدينتنا الأبيّة حماه الجريحة فإنّنا اليوم نعاهدهم على السير في طريقهم ثائرين ضدّ هذا النظام المجرم سلميًّا و بمساندة إخواننا الأبطال في الجيش الحرّ بسلاحهم البتّار .. ونعاهدهم على كسر شوكة عصابة الأسد و استرجاع حرّيّتنا وكرامتنا ..

وأخيرًا أقول لكل من عمل ومَن يعمل في هذه الآلة الإعلاميّة الحقيرة .. عليكم من الله الجبّار المنتقم ما تستحقون من العذاب في الدنيا و في جهنم .. ولكم منّا أشد ما تتخيلون من العذاب والعقاب بعد أن نُسقط أصنامكم النتنة التي تدافعون عنها ..

فعلاً إنّ الشبكة العنكبوتية العجيبة غيّرت شكل العالم بشكل ملحوظ ولا يختلف على ذلك إنسان .. وإنّ الشبكات الاجتماعيّة من أكثر أدوات هذه الشابكة قوّة وتأثيرًا في مجتمعاتنا الحضاريّة وكانت كالزلزال على الحكومات الاستبداديّة وغير الاستبداديّة وأصبحت جميعها تحسب لها ألف حساب وتضع عليها ألف عين ..!

لسوء حظي فإنّي مشترك في أغلبها وأهمها مثل  facebook و Twitter و Google+ و You Tube ..والمهم فيها أنّي معجب جدًا في المغرّد (Twitter) لعدّة أسباب سأذكرها هنا :

1)   تتميّز عن غيرها بأنّ كلّ ما تشاركه يكون عبارةً عن أحرف وكلمات وعبارات وهذا مفيد لنا كثيرًا ويعلمنا التعبير عن أنفسنا بكل وضوح ودون التشتت بالصور ومقاطع الفيديو ودون المربعات والدوائر ..الخ

2)   أنت مقيّد بكتابة 140 حرف فقط .. وهذا تحدٍ ذهني لا يقدر عليه كثيرون وهو من أسباب ترك بعض المستخدمين حسابهم بهد شهرهم الأول .. أحببت هذا التحدي فهو علّمني أنْ أبتعد عن الاستطراد وأنْ أضع زبدة أفكاري فقط وعلّمني أيضًا المعنى الحقيقيّ للحكمة المشهورة “خير الكلام ما قلّ ودلْ”

3)   على غير العادة في الـ facebook فالمغرّد (Twitter) لا يعتمد على الدخول في علاقات صداقة أولاً ثمّ بدء المناقشة والاستفادة من الطرف الآخر ..فأنت غير مضطر أنْ تدخل في علاقات كثيرة حتى تكتب وتستفيد من ألإكاره .. لذلك تجد أنّ الشخص على facebook مثلاً ليس مستمتع جدًا لأنّه إنْ كان مهتمًا بقراءة الكتب السياسيّة مثلاً فربما لن يجد من بين أصدقائه من يشاركه اهتمامه وأفكاره لأنّ كل معارفه فيه من الأصدقاء والأقارب .. فكيف إذا كان مهتمًا بالإعلام أوالتنمية البشرية أو الفلسفة عندها نادرًا ما يجد في قائمته من يستفيد منه ويبحث معه بعض تساؤلاته ..

أمّا في المغرّد فتستطيع أن تتابع وتتعلّم وتناقش كلّ من لديه نفس اهتمامتك وأنت غير مضطر لأنّ تكوّن معهم صداقات أو ترتبط معهم حتى يعرفوا كل شيء عنك .. وهذا أمر ممتع جدًا و واضح لكل من جرّب ..

4)   أهميته تأتي أيضًا من وجود حسابات لكبار السياسين والمشاهير في العالم .. مثل باراك أوباما و أردوغان .. والمصارعان روك و جون سينا .. فذلك دفع كثيرًا من المحبين والمعجبين من متابعتهم والتعرّف على يومياتهم عن طريق تغردياتٍ بسيطة .. ولكن هذا سخف ت

فما يهمني أنا وجود حسابات لكبار المفكرين وعلماء المسلمين وإمكانيّة مناقشتهم والتعلّم منهم عن قرب .. مثل د.عبد الكريم بكّار و ابنه د.ياسر بكّار والشيخان الكبيران د.سلمان العودة و د.محمّد العريفي ..

وفي الحقيقة أنا ممتن جدًا للمغرّد لأنّه قربني كثيرًا من بعض قدواتي ولم أكن أظن أنّه باستطاعتي التواصل معهم بهذه السهولة ..

هذه النقطة تحديدًا تدفعني لأن أقول : قد أُجبرَتْ وسائل الإعلام على متابعة هذه الشبكة الاجتماعية والاندماج فيها لما فيها من معلومات قيّمة وسريعة وآنيّة ولو لم تفعل لكانت الآن في خبر ‘ كانت  ’..

5)   الأمر الأخير .. هناك فرق واضح بين الـfacebook والمغرّد من حيث الهدف وهذا أمر في غاية الأهمية .. فـ قبل الثورات العربيّة كان الـfacebook عبارة عن زاوية يجتمع فيها الشباب ويظهرون أفضل صفاتهم ويكذبون بأخرى ويبدأ قتل الوقت في التعليق بصفحات تافهة أُنشأَتْ كي تقتل الأخلاق وتقتل الشعور بأهميّة الوقت ..

وما كان الـfacebook إلّا للتعارف .. فالشاب يتعرّف على بنات كُثر بكل سهولة وبساطة ويستطيع أن يرى صورهن بكل “عادي” .. وانتشرت ثقافة الـ”عادي” هناك حتى كرهته وتركت شبكة الـfacebook لفترة طويلة ..

أمّا في المغرّد فالأمر مختلف بشكل كبير جدًا فكل من يسمع به على الشابكة يفعل له حسابًا على المغرّد ويبدأ باستخدامه ظنًا منه أن كـالـfacebook .. فحسب إحصائيّة موقع المغرّد فإنّه في كل ثانية هناك 11 حسابًا جديدًا ولكن في المقابل فإنّ 60% منهم تركوا حسابهم في الشهر الأول لهم في عام 2010 وفي عام 2011 نقصت النسبة لـ40% بسبب أحداث الربيع العربيّ بالطبع ولكنّي أقول هنا بأنّ الهالة التي صنعها الإعلام وسطوة الانتشار للمغرّد دفعت الكثير لاستكشاف الشبكة ولكنّهم اكتشفوا سريعًا أنها للمتميزين فقط سواء من المثقفين أو غيرهم .. وهذا ما أحبه فيه ..

كل تلك النقاط – التي اهتديت لها – وربما لديكم غيرها .. تدفعني لأنْ أقول أن المغرّد أو شبكة Twitter هو الأقوى في نظري وقوّته تأتي من بساطته

سأشاركم الآن تجربتي في المغرّد وبعض ملاحظتي عليه ..

في الحقيقة غالبًا لا يكون لي هدف معيّن من متابعة شخصٍ ما لا أعرفه ..فمثلاً أتابعه وأقرأ له كل شيء ثم أحكم عليه فإنْ وجدت نفسي أستفيد منه ومن أفكاره وتعليقاته بقيت أتابعه وربما حاولت أن أصادقه والعكس بالعكس ..

فبعض الذين أتابعهم يتميزون بأمانة وصدق نادرين فهم لا يكتبون حرفًا متميزًا أو كلمات برّاقة تمتّع المتابعين وإنّما أحببتهم بسبب صدقه مع نفسه وفي نقله للمعلومات والأفكار ..

وبعض من أتابعهم يغردون نادرًا ولكنّهم يتميزون بشيء جميل وهو أنّهم يعيدون تغريد (ريتويت) أفضل التغريدات التي يغردها آخرون .. فأنا غير مضطر لمتابعة 100 شخص وتحمّل كل تعليقاتهم فهذا المغرّد الرائع يسهّل عليّ الأمر كثيرًا وأحترمه كثيرًا لأنّه متواضع جدًا ..

وبعضهم أتابعهم لأنّهم أصدقائي في حياتي الحقيقيّة وهم يستحقون المتابعة في الحياتين الحقيقيّة والافتراضيّة .. للإشارة فقط أنّ الكثير من أضدقائي ومعارفي لا أتابعهم على تويتر لأنّهم ببساطة لا يستحقون ذلك ولكنّي مضطر أنّ يكونوا في قائمة أصدقائي في الـfacebook !!

وبعضهم أتابعهم لأنّني أختلف معهم بالأفكار والآراء والتقييمات – ولكنْ لا أختلف معهم في الأصول والأساسيات – لمواضيع معيّنة وذلك حتى أستفيد منهم وأتعلّم النقد البنّاء والحوار الفعّال وهذا من أهم ما استمتعت به واستفدت منه في شبكة المغرّد ..

أشير هنا إلى أنّني أحبّ أن أعطي كلّ مغرّد حقّه من المتابعة والتواصل لذلك أحاول دائمًا تخفيف هذا العبئ عليّ بإنقاص عدد من أتابعهم .. والذين أتابعهم الآن أعتقد أنّهم الأفضل ويستحقون المتابعة بكل صدق ت ولكلّهم #FF

وأحبُّ أيضًا أنْ أذكر بعض أخلاقيّات التغريد التي تعطي المصداقيّة للمغردين وتزيد عدد المتابعين لديهم ..

1)   لا أتابع كل شخص يقرأ كتابًا أو مجلةً أو مقالةً أو أيّ شيء ثم ينسخ منه جملة أعجبته ويغردها على تويتر دون ذكر المصدر ودون تمحيص لتلك العبارة ودون التعليق عليها أو تحليل فكرتها .. !!

2)   لا أستطيع أن أتابع من لا يحترم الأمانة ولا يتحلّى بها .. فهناك من يغرّد ويكتب أولاً أو أخيرًا منقول أو يذكر اسم المغرّد الأصلي … إذًا بصراحة لا أعلم لماذا اخترع جاك دورسي زر Retweet فهذا يعبّر عن عدم احترام وللأسف يسقط من عيني كل من يفعل ذلك ..!!

3)   لذلك من الأمانة أنْ تذكر لنا اسم المصدر الذي أتت تغريدتك منه واسم صاحبها .. مثلاً اسم الكتاب وكاتبه ..

4)   من كرم أخلاق المغرّد أن يجيب الجميع أو على الأقل الرد عليهم معظم الأحيان .. لا أنْ يعتبرهم غير موجودين ويذهب ليجيب الإناث فقط ودائمًا !! .. وهذا حصل معي أكثر من مرّة مع أكثر من شخص .. واضطرني ذلك لأنْ أحجبهم لأنّني لم أعد أطيق أن أرى أسمائهم مرّة أخرى وأحزن كثيرًا لهؤلاء وأنا أتكلم هنا خاصةً عن المثقفين – للأسف – ..

5)   أخيرًا والأهم : التغريد بالعربيّة هو ما يجب أن يكون أولاً وأخيرًا وأقصد هنا بالعربيّة الفصحى وليس بالعاميّة . لنساعد بعضنا ونقوّي أنفسنا على التغريد بالعربيّة الفصحى فهي اللغة الجميلة التي تجمع العرب كلّهم ..وطبعًا لا مانع من التغريد بلغة أخرى بعض الأحيان لإيصال صوتٍ لمكان بعيد ربما يكون ضعيف إن كان بالعربيّة وأنا فعلت ذلك بالتغريد بعض الأحيان باللغة الانكليزيّة وأوصلت صوتي لبعض الصحف الأجنبية ..

وهنا أحبّ أنْ أشكر حساب @Taghreedat والقائمين عليه فلقد كنت من المتابعين الأوائل له ولعمله في نشر اللغة العربيّة في الشبكة وتعريبه لها وقد وصلوا الآن للمرحلة الأخيرة بفضل الله – تعالى – .. وكم أحببت أنْ أكون من سفراء التغريد العربيّ وأساعد في تعريب الشبكة ولكنّ الثورة في بلدي العزيز تمنعني من ذلك .. وبالمناسبة عندما طلبوا منا استخدام حرف التاء ت للابتسامة بدلاً من القوس والنقطة كنت أول من استخدمها ونشرها وحملتها دائمًا في كل تغريداتي ت ….

وأخيرًا أنبّه إلى أنّ الشبكات الاجتماعية أصبحت مقيّدة أكثر على مستخدميها و ستخفّض الخصوصية إلى أن تصبح منصة كبيرة جدًا يستطيع من خلالها أي شخص أن يرى ماذا يرى وماذا تفعل .. لذلك ابدأووا باستخدامها على أنّها مساحة كبيرة يراك الجميع من خلالها وكل كلمة فيها يمكن أن تُستخدم ضدّك يومًا ما حتى لو كنت تستخدم اسمًا مستعارًا ..!

تحتاج هذه الشبكات أن نلقنها درسًا لا تنساه وإلى ربيعٍ الكترونيّ بعد أن تحوّلت إلى حكومات جديدة تحدّ من حرّيّاتنا وتضع الوصاية على ما نقوله وننشره .

بعد 10 أشهر من عمر هذه الثورة المباركة كان لابدّ من ذكر بعض الفوائد والحسنات التي أضافتها إلى حياتنا العامة والثوريّة ..

1.    إسقاط النظام غاية أم وسيلة ؟

من أهم حسنات هذه الثورة السورية المباركة هي أنّها قامت من أجل مبادىء وقيم الحياة الراقية والسامية ولم تقم من أجل كسر شوكة نظام معيّن أو ضد شخص معيّن أو ضد الفقر مثلاً .. بل أستطيع القول أنّها قامت لأنّ ” الشعب السوري ما بينذل ” .. جملة قالها أبناء الشام لأنّهم لم يستطيعوا أن يتحمّلوا إهانات رجال الشرطة والأمن وهم يشاهدون باقي الشعوب العربية تتحرر من قيود العبودية والذل ..

ولم ينتفض الشعب السوري لأنّه جائع لا يجد من الطعام شيء أو لأنّه عاري لا يجد من الكساء شيء .. فما جعل هذه الثورة عظيمة فعلاً لأنّها قامت من أجل أعظم القيم الإنسانيّة من الحرية والكرامة والمساواة والعدالة والديموقراطية .. إنّها ثورة من أجل النهضة بالبلاد إلى مصاف الدول المتقدمة ..

2.    إسقاط قناع النظام الطائفيّ وإظهار وجه الشعب السوري المتكاتف المتعاون .

عقد اجتماعي عمره ربما أكثر من ألف سنة يربط أبناء الطوائف المتنوعة في سورية فيما بينهم برابط الحب والإخاء والتعاون وحتى المصاهرة والرضاعة .. وكلنا يعلم هذا .. ثم جاء نظام عصابة الأسد فكسر بعض تلك الروابط الجميلة بين هذه الطوائف وشجّع على الاستبداد والظلم والقتل الطائفيّ .. وهكذا فقد غرس هذا الحقد الطائفيّ في بعض الناس على مدار أربعين عامًا حتى وصلنا الآن لمرحلة يقول فيها بعض أزلام النظام الطائفيين بأنّهم يريدون سحق وإبادة كل من يتظاهر ضدهم (أي ضد بشار) !!

أنا عايشت ذلك كثيرًا و خصوصًا في بداية الثورة .. أما الآن فهم يريدون حرقنا ..!!

أتت هذه الثورة العظيمة فأعادت تلك الروابط إلى السطح مجددًا وعرّت هذا النظام الكاذب .. فكانت النظام يحذّر من عنف طائفيّ واقتتال أهليّ وبالمقابل كان الثوار في المظاهرات يرددون شعارات ” لا للطائفيّة ” ” واحد واحد واحد الشعب السوري واحد ” ” سلمية سلمية إسلام ومسيحيّة ..مطالبنا الحريّة.. سنّة دروز وعلويّة ” وغيرها من الشعارات التي كانت ليست مجرد كلمات وإنّما مع حب وتطبيق كامل وأنا رأيت ذلك وعشته وكان أمرًا جميلاً جدًا ..

لم تكن الطائفيّة أبدًا في قلب شعبنا الرائع .. بل كانت دائمًا في قلب حافظ وبشار وماهر الأسد وفي قلب أزلامهم وأعوانهم وشبيحتهم ..

3.    فضحت هذه الثورة كل جبان ومتخاذل وأنانيّ “مصلحجيّ” وكل صامت .

لم أعد أفهم لماذا كل هذا الصمت من بعض الناس أمام هذه المجازر بحقِّ إخوتهم ..!!

انتفض منذ عشرة أشهر أكثر شباب سورية شجاعةً وعلمًا وإيمانًا بالقيم الراقية ..وهم يعلمون ما سيلقونه من هذا النظام الدمويّ أبًا عن جِد .. وتخاذل عن نصرة الثورة وشبابها الأبطال بعض الجبناء الجالسين في بيوتهم المكيفة صيفًا والدافئة شتاءً يشاهدون -فقط- إخوانهم في الدين والأرض يعذّبون ويهانون ويشوّهون ثم يرمون إلى أهلهم جثثًا هامدة .. أهلاً بهذه الثورة الطاهرة المُطهرة التي كشفت قلوب الناس على حقيقتها فبانَ كلُّ شخص على حقيقة ما يدفنه في قلبه ..

فكيف لشاب أو رجل – قادر – أن يجلس ويتفرّج علينا هكذا نقتل ونعذّب ولا يشارك – كأضعف الإيمان – في مظاهرة واحدة يندد بها بوحشيّة نظام كهذا ..

لا عذر لهم أبدًا بعد قرابة سنة كاملة من الثورة .. فإلى الآن لا تزال فئة كثيرة لم تقدم للثورة شيء .. وأنا أقول لهم بأنّنا لا نحتاجكم إطلاقًا فسحقًا لكم وبعدًا عنا فأنتم لا تحملون من شيم العرب أو من صفات الرجولة شيء .. ابقوا في منازلكم رجاءً واخرسوا ولا تنظروا ولا تتفلسفوا علينا فأنتم غير جديرين بأيّ احترام ..

4.    الجيش الحرّ .. فعلاً حرّ.

كيف لجندي حرّ يُؤمر بقتل متظاهر سلميّ يطالب برفع الظلم عنه أن يقتله بدمٍّ بارد ..!!

ما كان من بعض أحرار النفوس من الجنود إلا أنْ انشقوا عن عصابة الإجرام وجمعوا بعضهم وأسسوا الجيش الحرّ ليدافعوا عن أبناء بلدهم مجاهدين بأنفسهم وأموالهم في سبيل حريّة هذا الشعب المضطهد ..والله – تعالى – وحده يعلم ماذا كان حدث لحُمص لولا مقاومة هذا الجيش الحرّ البطل على ثغور المدينة ..وحتى أنصف الجميع فإنّ بعض الأخطاء تحدث (بسبب غياب القيادة لأنّه معظمها فاسدة ومشتركة مع النظام في أفعاله )ولكنّها لا تُذكر أمام الإيجابيات الكثيرة .. ويكفيهم شرفًا أنّهم يضحون بكل ما يملكون دفاعًا عن شباب وأعراض أبناء سوريّة ..

5.    الاختلاف في آراء وأفكار المعارضة السياسيّة.

هناك قاعدة أحبّها كثيرًا ” لا تُصدّق معارضة سياسية تربّت على أيدي رجال الأمن في الأقبية والسجون والتي يكون هدفها غالبًا إحباط أي فعل سياسيّ معارض للنظام الأب بشكل مخادع مراوغ ” .. أظنّ أنّكم فهمتم ما أعنيه ت

علمتنا ثورتنا معنى الاختلاف الحقيقي .. هذا المعنى الذي تقوم عليه الديموقراطيّة وبدونه لا معنى للحريّة الفكريّة أو السياسيّة ولا للديموقراطيّة ..فكنّا سابقًا – بسبب الاستبداد – نظن أنّ كل من يخالفنا الرأي ما هو إلا وجه بشري للباطل .. أما الآن فنحن نحترم وجهات النظر جميعها ونحترم الاختلاف ونطلبه في بعض الأحيان ..

بإسقاط هذا المعنى على معارضتنا السياسية فإنني أجد أنّ الاختلاف بين قطبي المعارضة السياسية ( المجلس الوطني وهيئة التنسيق ) هو اختلاف تنوّع إيجابيّ جدًا لعدّة أمور ..

أولاً : أنّه لو كان الطرفان صادقان في حبهما للوطن وتفانيهما في تحقيق الشعب المظلوم الثائر لكان كلا مشروعيهما – في النهاية – سيصب في نفس البستان فيرويانه حتى يُزهر ويخضّر ويصبح كأجمل ما يكون .. لذلك فأنا أرفض الجمع بينهما ككتلة واحدة فقط لهدف الوحدة لأنّ ذلك سيدمّر تلك الكتلة وستنهار المعارضة في خلافات ومناحرات كثيرة بين أعضاءه يحاول فيها كل طرف إقناع الطرف الآخر بوجهة نظره وصحة أفكاره واستراتيجيته ..!!

ثانيًا : يُهيّئ هذا الاختلاف بيئة جيدة لنشوء أحزاب كثيرة مختلفة في الفكر والعمل وهو أمر طيب يصبُّ في مصلحة الديموقراطية وسورية الحريّة ..

ثالثًا : بهذا الاختلاف الإيجابيّ أصبح المواطن السوري يرى وجهات نظر متباينة مما يزيد في ثقافته السياسيّة ومعرفته بزوايا اللعبة السياسيّة و ينمّي عنده قدرات النقد والمقارنة والتصنيف والتحليل و يغريه على المشاركة في العمل السياسي لاحقًا .. وهذا أمر ملموس و جيّد .

6.    اتباع أساليب سلميّة لا عنفيّة في القضاء على نظام وحشيّ دمويّ عنيف .

بكل وضوح فإنّ المذهب السلميّ اللاعنفي أنفع وأجدى في القضاء على أيّ نظام استبدادي خصوصًا إذا كان دمويّ لا رحمةَ فيه .. وهنا أقول بأنّ الاحترام والوقار كلّه لهذا الشعب العظيم الذي أثبت للعالم أجمع أنّه على درجة عالية من الوعي لأنّه لم يحمل السلاح في مظاهراته ولم ينشره ولم تنتشر عندهم حتى أفكار الانتقام – إلا من عائلة الأسد –  من كل حاقد على الثورة ومؤيّد لهذا القتل الذي يتعرضون له ..

أمّا من يتبجج ويتحجج ببعض الحالات الفردية التي لا علاقة لها بالثورة فلن أرد عليه إلا بعد أن يضع نفسه مكان بعض الناس الذين قتل أولادهم أمامهم و اغتصبت بناتهم وهم مكبلين إلى الجدار أو من شاهد بيته يُهدّم فوق رؤوس عائلته ..

7.    روح التعاون والعمل المشترك بين الشباب .

فتلك الصفحات الكثيرة على الشبكة العنكبوتية تبشرنا بروح عالية من التعاون والعمل الجديّ والإبداعيّ سنستفيد منه في بناء سوريّة الحريّة .. أما التنسيقيات ولجان تنظيم المظاهرات والفرق الطبية والفرق الإعلامية وفرق إيصال الطعام والدواء إلى الأحياء المنكوبة وأفراد الهلال الأحمر .. هؤلاء الجنود المجهولة لا نعلم ماذا يفعلون على الأرض وكيف يخاطرون كل يوم بحياتهم وكم خسرنا منهم لأّنّهم فقط ينقلون الدواء أو يهربون الجرحى بعيدًا عن كلاب النظام المسعورة ..

أرى في ذلك شيئًا رائعًا يبشر بأنّ سورية القادمة ستكون أجمل ما يمكن بفضل الله – تعالى – أولاً ثم بفضل هؤلاء الشباب الأبطال ..

8.    الاستفادة من الثورات السابقة وتجاربها .

علمتنا الثورة أن نقارنها بأخواتها التي سبقنها في الأقطار العربية وأنْ نتعلّم من تجاربها وإيجابياتها وسلبياتها ثم استنباط نموذجًا خاصًا بنا يناسب واقعنا الميداني والسياسيّ .. وهذا أمر هام جدًا أقول فيه أخيرًا أنّ ثورتنا المباركة مقارنةً مع باقي الثورات العربية طويلة نوعًا ما وهذا يعطيها أفضلية أنّها ستكون مطّهرة و معقمة لأنفسنا أولاً ثم للمؤسسات وأخيرًا للمجتمع كـ كل .. وسنرى الأثر الإيجابي لهذه الأفضلية بعد إسقاط النظام بإذن الله – عزّ وجلّ –

9.    قتل التشاؤم وإحياء التفاؤل والأمل .

سأكتب عن تجربتي الخاصة في هذا الموضوع ..

بسبب هذه الأنظمة العربية الفاسدة والاستبداديّة وشعوبها الضغيفة المتخلّفة فكريًّا وعلميًا وثقافيًّا .. كنت متشائمًا من واقعنا هذا وسوداويًا تجاه أي نظريات نهضوية تحملها بعض الكتب أو بعض العقول وتؤمن بها .. وكن أقول لهم ” كفاكم أحلامًا وردية لن يتحقق منها شيء في ظل هذا الواقع المرير الذي أصبحنا فيه كالخراف في مزرعة الملوك والأمراء والرؤوساء الغير شرعيين (أشة لفة) ” ..

ولكنّني صُدمت تمامًا ما فعله الشعب التونسي وكُسر عندي أول ضلع من قفص التشاؤم المظلم هذا وما قدمه الشعب المصري كان أكثر جمالاً فلم أكن أصدق ماذا يحدث في وطننا العربيّ ..إلى أنْ تحطّم قفص التشاؤم والسوداوية تحت أقدام الثوار السوريين وانتهى بذلك عصر التشاؤم وبدأتُ عصرًا جديدًا أكثر واقعية وأقرب للتفاؤل .. وكلّما ازدادت الوحشية والضغوط الدموية علينا وخصوصًا هنا في حُمص كنت أزداد تفاؤلاً وأملاً بالنصر لما أراه من قوّة عجيبة في قلوب الرجال والنساء .. والآن يعرفني من يتابعني على تويتر وعلى المدوّنة بأنني متفاؤل مبتسم دائمًا أحمل حرف التاء أينما ذهبت حروفي ت .. الحمد لله على هذه النعمة العظيمة ت

10.    الإيمان بنصر الله – تعالى – وبأنّ النصر من عنده فقط

كم قتلت الثورة من شياطيين في نفوسنا وكم فرشتْ لنا من طرق إلى الجنة ..

تغيّرت أعمال الشباب العربيّ بشكل عام والسوريّ بشكل خاص وتغيرّت مواضيع أحاديثهم واجتماعاتهم بشكل ملحوظ والجميع يلمس ذلك ..

أعادتهم الثورة إلى الصراط المستقيم .. هذا الصراط الذي رسمته الثورة لنا عن طريق شعارات مثل ” ما منركع إلا لله ”  وعلمتنا أنّنا بأعمالنا الخالصة لوجه الله – جلّ جلاله –  والمحصّنة بالتوكل عليه سبحانه وتعالى هي وحدها طريقنا للنصر وليس انتظار أي مساعدة من بعض زعماء العرب والعجم ..

هذه الثورة أعادت كثيرًا منا إلى طريق الهداية ببساطة لأنّ كلّ واحدٍ منا ينزل إلى الشارع وهو يعلم أنّه ربما لا يعود إلى المنزل .. لذلك ننوي أنّ مظاهراتنا هي فقط لوجه الله – تعالى – وتقويًا لطاعته ..

ولولا إيماننا بالله – تعالى – وبنصره الأكيد لكان المتظاهرون حملوا السلاح وتعاونوا مع كل الشياطيين في سبيل الخلاص من هذا الإجرام اللامثيل له ..

أجمل لحظة عندما ننادي ربّنا سبحانه وتعالى في المظاهرة ونذكر اسمه ونكبّره ونعظّمه و نطلب منه النصر .. هذه اللحظات هي ما تعطينا الشجاعة التي يسأل عنها الكثيرون ..

أخيرًا أقول بأنّ لهذه الثورة إيجابيات كثيرة ربما ألفُ ألفٍ منها أو ربما هي إيجابية كبيرة تحتوي الكثير من الإيجابيات الصغيرة .. هذه الثورة غيّرت وجه بلادي و وجه مدينتي العديّة وغيّرت حياتي وحياة أصدقائي وحياة كل من أعرف ..