بعد يوم عاصف عنيف، اقتلعَ تلك الأقنعة عن وجوه المتخبئين ورائها، وكُشفتْ ألاعيب الرجال وخداعهم للجنس اللطيف، كانْ لابدّ لي أنْ أجري بعكس ما جرى عليه الوضع في وسائل الاجتماعيّة فقط!

فقد كتبت منشورًا ساخرًا على الفيس بوك، بمناسبة ذلك اليوم العاصف، اليوم العالمي للمرأة.

“مبارح كانت كل الشبكات الاجتماعيّة تُحيّ المرأة في ‫#‏يوم_المرأة_العالمي ، لدرجة إني دخت من كتر المقالات والمنشورات، وما عرفت شو اكتب.
فقت اليوم قلت بكتب شي، لقيت المرأة لساتها نايمة أو رجعت عالمطبخ، وبأحسن الحالات فتحت مجموعة أحلى صبايا عالواتس ونزلت غرغر يمين وشمال.
كسرت القلم وشقيت الكتاب يلي كنت رح اهديهم لرفيقاتي بهذه المناسبة، ورجعت اتعلم ألماني لأنه الشغلة مطولة..ههههه
‫#‏المطبخ_يليق_بكِ_عزيزتي

للأسف يبدو أنّ الأمر ذهب بعكس ما توقّعتْ، فالهدف من هذا البوست كان السخرية من الاحتفال هكذا يوم ببضع كلمات، بينما كلّ أيّام السنة تضيع هباءً منثورة أمام شاشاتٍ مضيئة دون أيّ فائدة وتطوير يذكران!

أمّا هنا، سأذكر ما يجول في خاطري لكلّ جمال الأرض، الطرف الأقوى والأجمل والأقدر على البقاء في هذه الحياة.

المرأة بدايةً هي الأمّ، ولا داعي لذكر أهميّة الأمّ في حياة كلّ إنسان، وكيف هي العون والسند والحياة له، وليس هناك حبّ يُمكن أن يكون في هذه الحياة دون وجود الأمّ، قوّتها وحنانها وروحها الطاهرة لا تعادل شيئًا في هذه الحياة.

وثانيًا هي الأخت، الأخت هي الصديقة الأولى والحبيبة الأولى وبيتٌ بدون أخت هو كبيت بدون جدران تعصف فيه الشدائد وتغطيه بالطين والرمل، كلّ الحبّ لكِ أختاه.

وثالثًا هي الجدّة، وهي للأسف غير الجدّ، كما الأمّ غير الأب، فدائمًا ما كانت لها منزلتها الخاصّة في كل أفراد العائلة، وكلّ القبلات التي حطّتْ جبينها وخدّها تشهد بذلك.

الخالة والعمّة، حنان إضافيّ وحبّ دافق لا يتوقّف، ولا يمكن تخيّل الحياة بدون حنانهن وضحكاتهن.

الصديقات الرائعات، هم طبعًا غير الأصدقاء الشباب، فلطالما كانت ضحكاتهنّ أجمل وابتسامتهنّ أحلى، ولآرائهنّ خيال آخر، وأعمالهنّ كانت لنا كلّ العون والإخلاص.

لا تكون الحياة رائعة ومشرقة بدوة هذه المرأة العبقريّة القوّيّة والتي تكون بجانبك دائمًا ومهما كنتَ أنتَ، ستجد فقط المرأة في جانبك، ولنْ تجد غيرها، وذلك لمبدأ بسيط جدًا وغريزيّ فينا نحن الرجال، وهو التنافس الشديد، فعلاقة الرجل بالرجل غالبًا ما تكون بدون تنافس ولو نفى الطرفان، بعكس علاقة الرجل بالمرأة في البيت والجامعة والعمل، فدائمًا ما تكون علاقة عون وخير وحبّ وإخلاص.

أمّا عن عالمنا اليوم، فالمرأة بحقّ تحتاج لمن يدافع عنها، وأول من تحتاج… تحتاج نفسها وروحها وعقلها لأنّ تجعلهم مسخرين لقضيّتها وإنتزاع حريّتها، والتي هي نفسها عدوّتها الأولى وباقي المجتمع عدوّها الثاني.

بالعلم والعمل، يمكن أن تُمهّدَ كل الآفاق والحلول أمام كلّ امرأة، لتفهم حياتها وكيفيّة تخطّي عقباتها.

أمّا عن باقي المجتمع، فللأسف يرى الرجال في مجتماعتنا المرأة مجرد رَحِم للإنجاب، يتزوج الرجلُ المرأة لينجبَ أطفالًا –ذكورًا- ليحملوا اسمه!! وكأنّ الحياة تتلخّص في اسمه.

وربما رآها رجال آخرون مجرّد أداة لجذب الـ Bussiness ، وفي أحسن الأحوال سكرتارية نشيطة. ولكن أخيرًا ليس هناك الاحترام الحقيقيّ المطلوب الذي يعامل به الرجال بعضهم البعض، وليست هناك نفس الحقوق لكلا الطرفين.

فقوانين الأحوال الشخصية في البلدان العربيّة – لا لدى داعش- تمنع منحَ المرأة جنسيّتها لأولادها، وتمنعها أنّ تُزوّج نفسها حتّى لو كانت عاقلة بالغة راشدة، تبلغ من العمر أربعين عامًا، فهي قد تحتاج لأخيها الصغير ليُزوّجها!! هذا عدا عن الحقوق الأخرى المهدورة، كإسقاط العقوبة عن المغتصب إذا تزوج المغتصبة!!! وقوانين أخرى يندى لها الجبين.

وأخيرًا لا يجب أن ننسَ دور الفقهاء وتراثهم الذي تركوه في تكريس هذا الوضع المأساويّ للمرأة اليوم في العالم العربيّ والإسلاميّ، بينما المرأة باقي الدنيا تحكُم وتدير أكبر المؤسسات وأعظم البلاد.

وكمثال لم يحلو للفقهاء، فغضّوا عنه أنّ السيدة خديجة خطبت الرسول وزَوّجتْ نفسها، وكانتْ صاحبة القوامة، ونشروا حديثًا لا يمتُّ للرسول بصلة “النساء ناقصات عقل ودين” ليصل الأمر أن تُقام دورة تدريبيّة في السعوديّة بعنوان “هل المرأة إنسان.” !!!!!

أعتقد أن كثيرًا من النّاس لو تمعّنت قليلًا في نتائج وأرقام الألعاب الرياضيّة في بطولاتها العالميّة والأولمبياد، لكانت تلك الأرقام والنتائج ألهمتْ كل البشر، وجعلتهم يخطّطون وويبذلون جهودًا بسيطة ليحصدوا نجاحات عظيمة كتلك التي يحصدها أبطال الأولمبياد.

فعلى سبيل المثال، في سباقات الخيل، يفوز الحصان الأول بمبلغ مليون دولار بينما الحصان صاحب المركز الثاني لا يحصل إلا على 100 ألف دولار، ولا يكون الفارق بينما إلا شعرة!

هذا الفارق البسيط بين الحصانين، تتطوّر إلى فارق هائل في النتائج بين الاثنين.

وأيضًا ينطبق هذا على السباحين والعدائين، فعادةً لا يتجاوز الفارق بين صاحب المركز الأول والمركز الأخير سوى ثوانٍ قليلة، وبين الأول والثاني أجزاء في الألف من الثانية، وهذا فارق ضئيل جدًا ولا يُذكَر، ولكنّه يسبّب فرقًا هائلًا في النتائج، تجعل صاحب المركز الثاني يُصابُ بخيبة أملٍ كبيرة بعد سنوات من العمل الشاق.

هذه التدوينة ليست موجّهة لأبطال الأوليمبياد وإنّما هي لكل إنسان يرغب في تطوير نفسه وحياته، ويرقى بنفسه إلى مركز يليق به، ولينعم دائمًا بالسعادة وراحة البال على النجاح الدائم في الحياة الشخصيّة والعمل.

ولكن كيف؟

ببساطة إذا استفدنا من مبدأ الفارق البسط الذي يُسبّب نتيجة عظيمة.

على سبيل المثال لو قرأ كل واحدٍ منا ساعة كلّ يوم في اختصاصه بعد سنة سيكون قد قرأ 30660 ساعة وسيكون أضاف لمعرفته وخبرته الكثير، وبعد فترة قصيرة سيُشار له بين زملائه ومدرائه بالبنان بأنّه الخبير العارف وربما أو غالبًا سيُرفع في مناصب عمله سريعًا مميزًا عن أقرانه.

وعلى المستوى الشخصي، يمكن أن يُضيف كل إنسان لحياته ربع أو نصف ساعة من تمارين اللياقة أو التمارين السويديّة وسيعيش حياته دون آلام المفاصل وعدم تحمّل المشي..الخ

ويمكن على مستوى التعليم وخصوصًا تعليم اللغات يمكن أن يضيف المتعلّم ثلاثين كلمة جديدة كل يوم إضافة لمراجعة الكلمات التي تعلّمها سابقًا ولن يأخذ ذلك من وقته أكثر من 20 إلى 30 دقيقة يوميًا.

وهذه الطريقة جربتها أنا شخصيًا، وخصوصًا عندما أكون في المواصلات، وكانت النتيجة هائلة، فبعد 74 يومًا كنت قد حفظت 1000 كلمة في اللغة الألمانيّة، دون عذاب ودون أي ملل، فقط استغليت وقت المواصلات الضائع.

يُمكن أن تُطبّق هذه الفكرة في جميع مجالات الحياة، ليجد الإنسان نفسه بعد فترة وقد أحدث نتائج هائلة وحقّق نجاحات دون أن يشعر، بينما الكسالى والمتشائمين يقفون خلفه يتذمّرون من البدانة وصعوبة تعلّم اللغات وصعوبة العمل في اختصاصهم..!

اكتشف علماء الفضاء حتى الآن نحو سبعين كوكبًا خارج منظومتنا الشمسيّة من بين عشرة بلايين ترليون كوكب، أو ما يقارب ذلك.

ويبدو أنّه إذا كنت ترغب في الحصول على كوكب ملائم للحياة يجب عليكَ أنْ تكون محظوظًا، وكلّما كانت الحياة أكثر تقدمُّا كان عليكَ أنْ تكون أكثر حظًّا.

حدّدَ راصدون مختلفون اثنين وعشرين من الأسباب الفريدة التي تجعل الأرض أكثر كوكبٍ في الكون ملائمةً للحياة، ولكن سنختصرها إلى الأربع الرئيسيّة.

  1. موقع ممتاز.

إنّنا على بُعدٍ ملائم إلى درجة غريبة تقريبًا من النوع الصحيح من الكواكب، وهو النوع الكبير بما يكفي كي يُطلق كثيرًا من الطاقة، ولكنّه ليس كبيرًا بحيث يحرق نفسه بسرعة. ومما يثير فضول الفيزياء أنّه كلّما كان النجم أكبر ازدادتْ سرعة احتراقه، فلو كانت شمسنا أكبر مما هي عليه بعشر مرات لاستنفدت نفسها بعد عشرة ملايين عام بدلًا من عشرة بلايين، ولما كنا هنا الآن. إنّنا –محظوظون- بأنّنا ندور في المكان الذي نحن فيه، فلو كنّا أقرب بكثير لاحترق كل ما على الأرض، ولو كنّا أبعد بكثير لتجمّد كلّ ما عليها.

ولكنّ البعد بشكل ملائم عن الشمس لا يمكن أن يكون القصّة كلّها، وإلا لكان القمر مليئًا بالغابات وجميلًا، وهو ليس كذلك على نحو واضح. فمن أجل ذلك أنتَ بحاجةٍ إلى:

  1. النوع الملائم من الكواكب.

قليلًا من علماء الجيوفيزياء إلى سئلوا بأنْ يحصوا بركاتهم، سيذكرون الحياة على كوكب ذي بطان منصهر، ولكنّها تقريبًا حقيقة مؤكّدة بأنّه دون تلك الماغما كلّها، التي تدوم تحتنا لن نكون هنا الآن. وبغض النظر عن أمور كثيرة أخرى، إنّ باطننا الحيويّ أنشأ اندفاعات الغاز التي ساعدت في بناء الجو، وقدّمتْ لنا الحقل المغناطيسيّ الذي يحمينا من الإشعاع الكونيّ. قدّم لنا أيضًا ألألواح التكتونية، التي تجدّد السطح باستمرار وتغضّنه. فلو كانت الأرض منبسطة بشكل تام، لغطيت في كل مكان بالماء إلى عمق 4 كيلومترات. يمكن أن يكون هناك حياة في المحيط الموحش، ولكنْ بالتأكيد لن يكون هناك كرة قدم. ^_^

  1. نحن كوكب توءم.

لا يفكّر كثير منّا عادةً في القمر ككوكب رفيق، ولكنّه هكذا بالفعل.

دون تأثير القمر الثابت، فإنّ الأرض ستتمايل كقمة محتضرة، ولا أحد يعرف ما النتائج الكارثيّة التي ستترتّب على المناخ والطقس. إنّ تأثير القمر الجاذبي الثابت يجعل الأرض تدور بالسرعة المناسبة والزواية المناسبة، كي تُقدّم نوع التوازن الضروري للتطوّر الطويل والناجح للحياة. ولكنْ هذا لن يستمر إلى الأبد، إنّ القمر ينزلق من قبضتنا بسرعة 4 سنتمترات في العالم. فبعد بليوني عام سيتراجع بعيدًا بحيث إنّنا لن نظّل ثابتين، وسيكون علينا أن نأتي بحلٍّ آخر، ولكن في غضون ذلك يجب أنْ نفكّر في ذلك أكثر من كونه سمة ظريفة في سماء الليلة.

  1. التوقيت.

إنّ الكون مكان متقلّب وزاخر بالأحداث الخطرة ووجودنا فيه أعجوبة. فلو لم يلعب تعاقب مركّب طويل وغير قابل للتصوّر من الأحداث يعود إلى 4.6 بلايين سنة بطريقة معيّنة في أوقات معيّنة مثلًا، لو أنّ الديناصورات لم تنقرض بسبب سقوط النيازك لكنّا أطول سنتمرات عدّة، مشعرين وبذيل، ونقرأ هذه المقالة في وَكْر. ^_^

 

هذا المقال مأخوذ بتصرّف من كتاب A Short History of Nearly Everything.

 

أحياء حمص خاوية وأخرى عطشى للحياةثمّة تنافض مخيف ومربك يشعر به من يمر بحمص لأول مرة بعد 2011. من الصعب استيعاب معادلة الحياة المجاورة للخراب، وأنّ أمتارًا قليلة تفصل بين عوالم متطرفة في اختلافها.

المساحة الأكبر من المدينة مغلقة ومهدّمة إثر قصفٍ دامَ لما يزيد عن ثلاث سنوات، وبضعة أحياء صغيرة مأهولة ومكتظّة بمنْ تَبقّى من أهل المدينة تفصلهم منطقة من البساتين عن حي الوعر، أكبر أحياء المدينة وأحدثها، والمحاصر حتى الآن. وغير بعيد عن تلك المناطق، نحو جنوب المدينة، تقع المناطق الزراعيّة التي تم الاستيلاء عليها وإعمارها دون تنظيم منذ السبعينيات، أقامت فيها الكتلة السكانيّة التي أتت من القرى المحيطة بحمص والقرى الساحليّة، إثرَ استلامهم معظمَ الوظائف الحكوميّة والعسكريّة، وباتت تعرف اليوم بأنّها القسم المؤيد للنظام في المدينة، أو ما يسمى بضفة الطائفة الأخرى من المدينة. لا تواصل بين أهل الضفتين.. قطيعة كبرى حدثت منذ اندلاع ثورة 2011 .

منطقة الوعر، بقسميها القديم والجديد، يعاني من حصار خانق على الخدمات والغذاء والدواء والوقود، ولا يسمح لأحد بمغادرته عدا الطلاب والموظفين شريطة تقديم وثائق تثبت عملهم على المعبر بشكل يوميّ.

تقول سناء، وهي موظفة حكومية من سكان الوعر، ”حين أعبر إلى خارج الحي، أشعر أنني أصبحت في بلاد أخرى، على الأقل أستطيع شراء الألبسة والخضار.. أستطيع التجوّل مع خوف أقل من القذائف والقنص، لا أمتلك من المال ما يكفي لاستئجار منزل خارج الوعر، خصوصًا أن زوجي ليس موظفًا ولا يستطيع مغادرة الحي”. اعتادت سناء الخروج بسرعة بعد انتهاء دوامها لشراء بضع حبات من الخضار تحشوهم في جيوب ملابسها خفية عن عيون عناصر حاجز المعبر، لكن في أحيان كثيرة يتم اكتشاف أمرها، “يطلبون مني رميهم على الأرض”.

ليس الحصار وحده ما يشظّي المدينة. منى، الطالبة في كلية الهندسة، تقول إنها أتت من دير الزور لاستكمال الدراسة في جامعة حمص، إلا أنها صدمت بواقع المدينة وكأنها ثلاثة مدن لا ترابط بينها، “حاولت البحث عن سكن قريب من الجامعة، ففوجئت بالسكان ينصحونني بتجنب مناطق معينة لكوني محجبة، حيث من  الصعوبة أن تمشي المحجّبات بسلام بين قاطنيها”.

لا تقتصر دهشة من يزور حمص على عمق الفجوة الطائفية فيها، بل تمتدّ إلى كل مظاهر الخراب والوحشة والازدحام فيها. محمد، شاب مقيم في دمشق، لم يتمكن من زيارة بيت جده في حمص منذ خمس سنوات، بسبب المخاطر التي يسمع عنها، “في النهاية ذهبت، مررت بشارع الستين وقرب شارع نزار قباني وشوارع الحميدية شعرت وكأنني أتجول في مدينة أشباح، ولازمني انقباض مؤلم جراء مشاهد الدمار والخراب، وفي نفس اليوم تمت دعوتي إلى حفلة موسيقية على مسرح المدينة، جلس الناس على الدرج لشدّة الازدحام.. شاهدت حشدًا ضخمًا من كلّ الأطياف والأعمار، يحار المرء أهي مدينة أشباح أم مدينة عطشى للحياة؟”.

تأقلم أهل حمص ولم يناقضوا أنفسهم، كما تؤكّد سالي، “يظنون أننا تعافينا ونعيش برفاهية وكأن شيئًا لم يكن، بمجرد رؤيتهم لافتتاح محل تجاري أو مطعم أو صالة أفراح صغيرة، وكأنّنا نخون التضحيات.. على الرغم من كلّ شيء لازلنا أحياء وسنكمل الحياة ما استطعنا، من لم يعش السنوات الماضية هنا يسهل عليه الاتهام والمزاودة”.

سواء تعايش أهل حمص مع ظروفهم الصعبة أم ناقضوا تمردهم وثورتهم، فالجميع يشعر بتغير طريقة تفكير الناس، جنون الأسعار وانهيار العملة وعدم القدرة على التفكير في الاستثمار، في ظل واقع مشتعل ومستقبل مبهم غيّر الكثير من المفاهيم، حيث تسود الثقافة الاستهلاكية ويضعف التواصل العائلي وسط تشتت الأفراد بين بلدان الهجرة واللجوء، ليصبح الإنترنت الشريان الوحيد الذي يربطهم مع الحياة، بين رغبة في الهروب من الواقع ورغبة في البقاء على تواصل مع من أبعدته الظروف والمسافات.

“لقد تغيرت الثقافة الاستهلاكية للناس بالتأكيد، في السابق كان الزبون يفكر ويتردد قبل شراء جهاز تعادل قيمته نصف دخله الشهري.. الآن بات يشتري بكل ما يمتلك حتى بعد أشهر من الادخار”، يقول جلال، الذي يملك محلًا لبيع الموبايلات في المدينة.

يعتبر الكثيرون أن ما تعيشه حمص “حال مؤقتة” إلى أجل غير مسمى، إلا أنّ الكل يجمع أنّ ما تشهده عاصمة الثورة سيحفر عميقًا في نفوس أهلها، الآن وحتى الأجيال اللاحقة، فما من أرض أو مدينة لم تتبادل المواجع والملامح مع من يسكنها عبر السنين.

كُتبَتْ في العدد 194 من جريدة عنب بلدي.